عاشوراء.. ثقافة راقية وحضارة متنامية

الشيخ الحسين أحمد كريمو
قال رسول الله (ص): (حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اَللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْناً، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ اَلْأَسْبَاطِ).
مقدمة حضارية
أخطأت الحضارة الرقمية حين أطلقت على نفسها هذا الاسم، ولبست هذه الحلَّة القشيبة، وهي خاوية على عروشها من كل معاني الحضارة الحقيقية، وذلك لأنها أعطت قادتها لإمبراطورية الشيطان والشَّر العالمية، لتقودها من فساد إلى فساد أبشع، ومن جريمة إلى جريمة أشنع، ولذا هي ليست حضارة بالمعنى الدقيق للكلمة بل هي مَدَنيَّة، وتقدم تقني، وثورة رقمية، غيَّرت وجه التاريخ فعلاً، ولكن بدل أن تتقدَّم باتجاه الإنسانية وتحقيق حلم البشر بالسعادة وذلك في ظل دولة الحق والعدل والحقوق الإنسانية المشتركة في هذه الحياة، ساقتها سوق القطيع إلى سوق العمل ورمت بها جميعاً في أتونه، لأنهم قاسوا القيمة بما يقدِّمه الإنسان إلى الحضارة من خدمة وتعطيه مقابلاً له من مال، فصارت قيمة الإنسان بما يملك، لا بما يؤمن ويعتقد، فترك الناس القيم الحقيقية والمنظومة القيمية الحضارية، ومالوا إلى الحياة المادية بكل قساوتها وظلمها وظلامها، فنسوا أنفسهم والله سبحانه نسيهم من رحمته وتركهم يتقاتلون ويتصارعون على الدنيا الفانية.
فالحضارة ليست أبنية وناطحات سحاب، ولا تقنيات عالية في المراقبة والتجسس، ولا أسلحة فتاكة ودقيقة من أسلحة الدَّمار الشَّامل، فهذه تعبِّر عن الحقارة وعقدة في النفوس الحقيرة لبعض أهل السياسة والخساسة من أولئك الطغاة من رؤوس العالم المتعفنة والمتعجرفة الذين يريدون أن يسيطروا على العالم والشعوب بالقوة، ويفرضوا عليهم قيمهم التافهة وحضارتهم الداعرة بكل المعاني القذرة، والمباني الوسخة، وبالتالي يريدون ان يفرضوا ثقافتهم المنحلَّة وأخلاقهم المنحطَّة الخالية من كل قيمة وفضيلة، وأنَّى لهم ذلك والعالم اليوم فيه أكثر من ثمانية مليارات من البشر، وفيهم من المسلمين نحو الربع، وهؤلاء يأبى عليهم دينهم وقرآنهم وقيمهم، أن يكونوا كأولئك الأشرار الأشقياء من شذاذ الآفاق، فسلَّطوا عليهم أذنابهم وإعلامهم وكل ما لديهم من آلات في التشويق والتشويه، والترغيب والترهيب في سبيل أن يتخلَّى المسلمون عن دينهم وعقيدتهم كما فعل بعض أصحاب المسيح (ع) حيث جعلوه محصوراً في الكنيسة ولدقائق معدودة في يوم الأحد.
من الأمويين الجُدد
ونلاحظ أن استجابة البعض من المتأسلمين، أو البعض ممَّن نسميهم بـ(الأمويين الجُدد)، أن يستجيبوا بل ينبطحوا تحت أحذية أصحاب الإمبراطوريات البراقة والقوى العالمية الشريرة، حيث رأوا فيها قوة لا تقهر وأنها استلمت مكان رب العالمين -كما يتصور الكثير من هؤلاء الجبناء- وأن قراراتها أوامر كالقضاء والقدر تماماً لا يمكن أن تتخلف عن هدفها ومرادها ومَنْ يخالفها له جهنم وبئس العقوبات والحصار والتجويع وكل أنواع الحرب الناعمة، والخشنة، التقليدية أو غير التقليدية، ثم اخترعوا الجيل الرابع من الحرب وهي الفناء الذاتي من الداخل، حيث يشعلون الحرب الأهلية في البلد الذي يريدون، فتحرق الأخضر واليابس ولا تبقي ولا تذر شيئاً فيه.
ثقافة عاشوراء الحضارية
وإذا عرفنا ملابسات تلك الظروف التي عاشها الإمام الحسين (ع) خلال عشرين سنة من حكم معاوية نستشعر مدى الخطر الكبير الذي أحدثه في ثقافة الإسلام والمسلمين، حيث قلبها رأساً على عقب، لا سيما بعد أن أشاع وأمر بلعن ومسبَّة أمير المؤمنين وأهل البيت الطاهرين المطهرين على منابر المسلمين واستمرت لستين سنة حتى عالم 101هـ حيث رفعها عمر بن عبد العزيز بقصة معروفة، تلك هي ثقافة التكفير، والتقتيل، والحرق، والتدمير التي أشاعها معاوية وبنو أمية في الأمة الإسلامية بمحاولة لدفن الإسلام وإحياء الجاهلية.
فالثقافة الإسلامية مبنية على السلام والمحبة والعيش المشترك للجميع، ولكن ثقافة معاوية مبنية على قتل كل المعارضين، وحرق بيوتهم ومدنهم وسرقة وسلب ونهب مقدراتهم وأموالهم كما فعل بسر بن أرطاة في وادي القرى وطريقه إلى اليمن حيث أحرق عشرات القرى بأهلها، كما أن رجال معاوية وجيشه من قطاع الطرق شنوا الغارات على أطراف العراق، فخطب أمير المؤمنين خطبته المعروفة بخطبة الجهاد حيث قال فيها: (حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ اَلْغَارَاتُ وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَوْطَانُ وَهَذَا أَخُو غَامِدٍ وَقَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ اَلْأَنْبَارَ وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ اَلْبَكْرِيَّ وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ اَلرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى اَلْمَرْأَةِ اَلْمُسْلِمَةِ وَاَلْأُخْرَى اَلْمُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلْبَهَا وَقَلاَئِدَهَا وَرُعُثَهَا مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاِسْتِرْجَاعِ وَاَلاِسْتِرْحَامِ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ فَلَوْ أَنَّ اِمْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً).
بهذه الثقافة حكم معاوية بن هند، الهنود ثم ورَّثها لدعيِّه يزيد الشَّر، ليُكمل الطريق والمشوار بقتل الصالحين وأهل الفكر والتدبير في هذه الأمة ولذا في أول رسالة يرسلها لوالي المدينة كان يأمره فيها بأخذ البيعة له منهم، ثم أرفقها برسالة أخرى كأنها أذن الفأرة يقول فيها: (فخذ حُسيناً، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا)، ومَنْ أبى فابعث إليَّ برأسه، وذلك لأنه تربَّى على القتل وقطع الرؤوس والذبح، ولذا وصفه الإمام الحسين (ع) للوليد قائلاً: (يَزِيدُ رَجُلٌ فَاسِقٌ شَارِبُ اَلْخَمْرِ قَاتِلُ اَلنَّفْسِ اَلْمُحَرَّمَةِ مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ، وَمِثْلِي لاَ يُبَايِعُ مِثْلَهُ)، فالذي يستهين بالدماء والأعراض والأموال، كيف يمكن أن يُبايَع ويُعطى الشَّرعية في الحكم؟.
فعاشوراء ليست معركة خاطفة بل أسست لمنهج قويم أساسه القرآن الكريم، والإسلام العظيم، وصارت ثقافة قيمية حضارية متنامية تقود الحياة عبر الأجيال المتتالية حيث تشيع في الأمة رفض الظلم والجور وثقافة الاستعباد والخضوع للسلطان الغشوم أو الحاكم الظلوم، لأن الإسلام يأبى لهم ذلك، ورسوله والنفوس الحرة الأبية، كما قال الإمام الحسين (ع): (أَلاَ وَإِنَّ اَلدَّعِيَّ اِبْنَ اَلدَّعِيِّ قَدْ تَرَكَنِي بَيْنَ اَلسَّلَّةِ وَاَلذِّلَّةِ، وَهَيْهَاتَ لَهُ ذَلِكَ مِنِّي هَيْهَاتَ مِنَّا اَلذِّلَّةُ أَبَى اَللَّهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَاَلْمُؤْمِنُونَ وَحُجُورٌ طَهُرَتْ وَجُدُودٌ طَابَتْ أَنْ يُؤْثَرَ طَاعَةُ اَللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ اَلْكِرَامِ).
هذه هي ثقافة العزة والكرمة والحقوق والعدالة والقسط الاجتماعي، وهي التي أعادتها عاشوراء فأحيت الإسلام وثقافته الربانية ولذا كانت مقابل ثقافة الجهل والجاهلية، ونعم ما قاله الباحث البحراني في كتابه (ثقافة عاشوراء): “لقد ترك الإمام الحسين (ع) في قضية عاشوراء تراثاً إنسانياً ومعرفياً ضخماً وعملاقاً سيظل يرفد الفكر الإنساني وحركة المجتمعات البشرية إلى نهاية التاريخ بما يحتاجه من قيم ومبادئ حيَّة لمواجهة تحديات الحياة والمعرفة وذلك من خلال ما تنضح به عاشوراء من قيم معرفة هائلة.
إن عاشوراء هي جامعة سياسية ثقافية تاريخية إنسانية اجتماعية وأخلاقية شاملة تحت سقف واحد يجب أن تحظى منَّا بكل عناية واهتمام وأن تكون في قمَّة سلَّم أولوياتنا في عالم الوعي والمعرفة والبصيرة، حيث شكَّلت عاشوراء بما هي ثورة وحركة ونهضة في كل مفردة من مفردات الفكر الإنساني حضوراً مذهلاً في هذا الفكر بل وأغنت تراثه بما يحتاجه من معانٍ وقيمٍ، وتمثَّل ذلك في تفاصيل قصة عاشوراء وحيثياتها وذلك منذ شرارتها الأولى وحتى لحظات وقائعها الدامية، عندما قدَّمت عاشوراء قامة بحجم الإمام الحسين (ع) قرباناً عظيماً من أجل قيمها وأهدافها العليا.
فعاشوراء صنعت ثقافة راقية وحضارة إنسانية متنامية رائعة جداً في الحياة الإنسانية برمتها، حيث خرجت عاشوراء من حيِّز الشيعة والموالين وعشاق الإمام الحسين (ع) وصارت قضية إنسانية وتشيع في العالم، ثقافة حضارية إنسانية مناهضة ورافضة لثقافة الخضوع والخنوع للحاكم الظالم، والذل والاستكانة لأنظمة الجور والطغيان الذين همّهم امتهان كرامة الإنسان، وما أكثرها في هذا العصر الأغبر ولذا نجد كل البشر يبحثون عن البطل الذي يلوذون به ولن يجدوا كالإمام الحسين (ع) قائداً، وعاشوراء ثقافة إنسانية وحضارية.



