الإمام الحسين (ع) نعمة من نعم الله الكبرى

الشيخ الحسين أحمد كريمو..
قال رسول الله (ص): (وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا تَنَبَّأَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلاَّ بِمَعْرِفَتِهِ وَاَلْإِقْرَارِ لَنَا بِالْوَلاَيَةِ).
مقدمة قرآنية
قال ربنا سبحانه وتعالى في آيتين كريمتين: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) و(وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) ولكن ما الفرق بين الآيتين؟ ولماذا هذا الاختلاف بينهما؟.
الآية الأولى تتحدَّث عن عدم إحصاء النِّعم الإلهية وذلك لأنها من الله الغفور للذنوب والرحيم بالعباد، وأما الآية الثانية فهي تتحدَّث عن القضية نفسها وعدم إحصاء النِّعم الإلهية ولكن تلتفت إلى الإنسان الظَّلوم أي الكثير الظلم لنفسه ولمَنْ هم حوله، والكفَّار أي عظيم وكثير الكفر والجحود بالنعِّم الإلهية، وهنا تكمن المفارقة العجيبة بين الخالق والمخلوق، وبين الرَّب والمربوب.
فالخالق الذي يتَّصف بكل صفات العظمة والقوة والجبروت يرحم ويغفر، والمخلوق الذي يتصف بكل صفات الضعف، (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) و(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ)، ولكن هذا الضعيف المستضعف الذي قال عنه أمير الكلام والبيان، وأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): (مِسْكِينٌ اِبْنُ آدَمَ؛ مَكْتُومُ اَلْأَجَلِ، مَكْنُونُ اَلْعِلَلِ، مَحْفُوظُ اَلْعَمَلِ، تُؤْلِمُهُ اَلْبَقَّةُ، وَتَقْتُلُهُ اَلشَّرْقَةُ، وَتُنْتِنُهُ اَلْعَرْقَةُ) (نهج البلاغة: ج۱ ص 550)، وقَالَ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) عنه أيضاً: (اِعْجَبُوا لِهَذَا اَلْإِنْسَانِ؛ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ، وَيَسْمَعُ بِعَظْمٍ، وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمٍ)، والعجيب أنه يطغى ويتكبَّر ويتجبَّر وينازع الله رداء الكبرياء والعظمة بجهله وسوء طالعه، واختياره وعمله.
أعظم النِّعم الإلهية هي الولاية
وذلك ما أثبته الله سبحانه وتعالى في فطرة البشر من قبل أن يخلقهم في هذه النشأة الناسوتية الأرضية في عالم الملكوت والسماوي حين أخذ عليهم ميثاقهم في عالم الذر وفي النشأة النورانية حيث قال سبحانه وتعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)، قال الإمام الصادق (ع) فيها: (فَثَبَتَتِ اَلْمَعْرِفَةُ وَنَسُوا اَلْمَوْقِفَ وَسَيَذَكُرُونَهُ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خَالِقُهُ وَرَازِقُهُ).
وهذه الشهادة والإقرار لله بالوحدانية وللرسول الأكرم محمد (ص) بالرسالة ولأمير المؤمنين (ع) بالولاية، وهذا ما جاء في كثير من الروايات عن أئمة الحق والصدق، كقوله (ص) في حديث المقداد بن الأسود الكندي حيث يقول: (سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَقُولُ: إِنَّ اَللَّهَ تَوَحَّدَ بِمُلْكِهِ فَعَرَّفَ أَنْوَارَهُ نَفْسَهُ ثُمَّ فَوَّضَ إِلَيْهِمْ أَمْرَهُ وَأَبَاحَهُمْ جَنَّتَهُ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَهُ مِنَ اَلْجِنِّ وَاَلْإِنْسِ عَرَّفَهُ وَلاَيَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَطْمَسَ عَلَى قَلْبِهِ أَمْسَكَ عَنْهُ مَعْرِفَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا اِسْتَوْجَبَ آدَمُ أَنْ يَخْلُقَهُ اَللَّهُ وَيَنْفُخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ وَيَرُدَّهُ إِلَى جَنَّتِهِ إِلاَّ بِنُبُوَّتِي وَاَلْوَلاَيَةِ لِعَلِيٍّ بَعْدِي، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُرِيَ إِبْرَاهِيمُ مَلَكُوتَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَاَلْأَرْضِ وَلاَ اِتَّخَذَهُ خَلِيلاً إِلاَّ بِنُبُوَّتِي وَاَلْإِقْرَارِ لِعَلِيٍّ بَعْدِي، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا كَلَّمَ اَللّٰهُ مُوسىٰ تَكْلِيماً وَلاَ أَقَامَ عِيسَى آيَةً لِلْعالَمِينَ إِلاَّ بِنُبُوَّتِي وَمَعْرِفَةِ عَلِيٍّ بَعْدِي، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا تَنَبَّأَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلاَّ بِمَعْرِفَتِهِ وَاَلْإِقْرَارِ لَنَا بِالْوَلاَيَةِ وَلاَ اِسْتَأْهَلَ خَلْقٌ مِنَ اَللَّهِ اَلنَّظَرَ إِلَيْهِ إِلاَّ بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ وَاَلْإِقْرَارِ لِعَلِيٍّ بَعْدِي).
وقول الإمام الصادق (ع): (مَا تَنَبَّأَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلاَّ بِمَعْرِفَةِ حَقِّنَا وَبِفَضْلِنَا عَلَى مَنْ سِوَانَا)، وهذه الولاية العظمى هي التي يُسأل عنها العباد، وهي التي أتمَّ بها الله سبحانه كل النِّعم وذلك في يوم غدير خم ونصب صاحبها ولياً وقائداً وسيداً على العرب في خطبة جليلة وموقف رهيب وقفه رسول الله (ص) وأشهدهم جميعاً عليه وذلك بقوله لهم: (أيُّهَا النّاسُ، مَنْ أوْلى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ؟ قالوا: اللهُ وَرَسوُلُهُ، فَقالَ: ألا فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهذا عَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللّهُمَّ والِ مَنْ والاهُ وَعادِ مَنْ عاداهُ وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ)، فأثبت لوصيه ووليه أمير المؤمنين الإمام علي (ع) كل ما كان له من الطاعة والانقياد والتسليم في السَّراء والضَّراء، ولكن هذه الأمة ورجال قريش خاصة لم يقبلوا بما أمرهم الله به، ولم يرضوا بخيَرَةِ الله لهم بل اختاروا لأنفسهم وظنوا أنهم وفِّقوا كما كان يقول الحاكم الثاني لعبد الله بن عباس.
الإمام الحسين (ع) نعمة كبرى
فتمام النِّعم هي نعمة الولاية، والإمام الحسين (ع) هو ولي النِّعمة وإمام الأمة في عصره بعد أخيه السبط الأكبر الإمام الحسن المجتبى (ع)، وقد تصدَّى للإمامة لمدة عشر سنوات عجاف قضاها في حكم الطاغية معاوية بن هند الهنود، ولكنه كان صابراً محتسباً وملتزماً بالموادعة والمصالحة التي عقدها مع أخيه الإمام الحسن ومعاوية الذي كان له ولبني أمية أيام كما أخبر الحبيب المصطفى (ص) عنهم: (أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ تَمْلِكُ سُلْطَانَ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وَمُلْكَهَا طُولَ هَذِهِ اَلْمُدَّةِ فَلَوْ طَاوَلَتْهُمُ اَلْجِبَالُ لَطَالُوا عَلَيْهَا حَتَّى يَأْذَنَ اَللَّهُ تَعَالَى بِزَوَالِ مُلْكِهِمْ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَسْتَشْعِرُونَ عَدَاوَتَنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَبُغْضَنَا).
نهضة الحسين (ع) إلهية
وعليه فإن نهضة وقيام الإمام الحسين (ع) هي نهضة وأمر بالقيام جاء من الله تعالى لوليه وإمام الأمة الذي اختاره الله على علم واختار له هذه المهمة الصعبة وهي القيام في وجه الطغيان والظلم الأموي ليُسقطه عن الاعتبار وإن لم يسقطه في الواقع وحياة الأمة، لأن الأمة خائنة وخائرة القوى وتعبد صنم السلطة منذ أن تسنَّمه رجال قريش ولم ينهضوا لمنعهم وتخاذل الأنصار ولم يفوا ببيعتهم لرسول الله (ص) في العقبة، ولا لأمير المؤمنين (ع) في يوم الغدير ولما يمضِ عليه أكثر من سبعين يوماً فقط، فابتلاهم الله بحكم بني أمية العضوض، فعضَّهم وأذلَّهم إلى اليوم، فالعِلة في الأمة وليس في الأئمة، لأن الإمام إمام وإن لم يتَّبعه أحد من أمته، فهل أضار هارون ترك بني إسرائيل له واتباعهم وعبادتهم عجل السَّامري؟.



