اراء

الانتخابات الفرنسية.. اليمين الأوروبي يصعد بأصوات غير يمينية

بقلم: طالب الحسني..

صعود اليمين المتطرف في أوروبا، هذه الخمس كلمات ليست دقيقة بالمعنى الحرفي ولا يمكنها أن تشرح التحول “السياسي” الذي يحدث الان في أوروبا ويحاول أن يحدث منذ عقد على الأقل.

صحيح أن قيادات الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة صعدت من الهامش إلى المركز وأن ذلك سيحدث “تحولا كبيرا ومخيفا” في الوقت نفسه، حتى هذه “كبيرا ومخيفا” هي نسبية اذ ان انعكاسات هذا الصعود ستكون محدودة وجزئية التأثير، فإن ذلك حدث بأصوات غير يمينية بالمفهوم التقليدي والانتماء الحزبي، ولهذا ووفقا لهذه المعادلة فالذي صعد ويصعد في أوروبا ليس اليمين كعقيدة وفكرة سياسية وإنما الإحباط من الأحزاب التقليدية، الوسط الليبرالي.

الأوراق التي صوتت للتجمع الوطني الفرنسي اليميني وقبل ذلك لحركة “إخوان ايطاليا” ومن المتوقع ان تفعل ذلك لصالح حزب البديل الألماني وتكرر وسيتكرر السيناريو في غير بلد أوروبي هي اوراق الفقر والتشرد والبطالة والشعور باليأس من الاحزاب والحكومات الليبرالية بتدرجها في الوسط وهي تعبير عن رفضها لسياسة الازمات وحروب خارج المحيط التي سلكتها تلك الاحزاب.

يمكن بهذه القاعدة مقاربة تحولات تحدث بشكل مفاجئ بأكثر من بلد في العالم، إنها أشبه بثورات شعبية أنتجت تغييرا دون أن تكون لها يد في استخدام الاداة المنفذة، هذه الثورات مفرغة من العقيدة السياسية والفكرية لأنها كانت استجابة للغضب من الواقع الاقتصادي والمعيشي بدرجة اولى نفذ صبرها من الانتظار فتكتلت خلف قوة أيًّا كانت تلك القوة.

تدرك الأحزاب اليمينية المتطرفة هذه الحقيقة ولهذا جميعها عدلت من خطابها التقليدي العنصري إلى الخطاب الشعبوي والدعائي وفي حالات أخرى استخدمت النزعة العنصرية والكراهية لكن بمدلول اقتصادي كما هو الحال باستخدام العداء للمهاجرين العرب والافارقة والآسيويين باعتبارهم “يسرقون” الوظائف والاموال من السكان الاصليين.

لا يمكن رؤية الكراهية للمهاجرين في ورقة المؤيدين غير اليمينيين لليمين أو رؤية انعكاسها على أصواتهم بحقيقتها الذاتية ولكن يمكن رؤية ذلك وإدراك صوتها بمدلوها الاقتصادي، بينما تحافظ قيادات ورموز الاحزاب اليمينية المتطرفة بجوهر العنصرية والكراهية والعصبوية كبرنامج تستطيع عكسه في ادارتها للسلطة عندما تصل إليها، اليمينيون المؤمنون بهذا النمط حتى وان تناموا خلال السنوات القليلة الماضية فقد حدث ذلك بصورة محدودة، ومن هنا فإن اليمين كعقيدة سياسية لا يزال في الهامش ولم يصل بعدُ إلى المركز.

يمكن نقل هذه القاعدة التحليلية من “الهجرة والمهاجرين” إلى “الاسلاموفوبيا” واللون والعرق والجنس، تتوجب الإشارة هنا إلى أن الأحزاب الليبرالية هي التي صنعت هذا السلوك واشتغلت عليه ووجهته وهي في أقصى اليمين، من يراجع سلوك ماكرون وقراراته تجاه الاسلام والمسلمين بما في ذلك ممن ينحدرون من الأصل الفرنسي سيجده يمينيا متطرفا، ينسحب هذا على ألمانيا وامريكا وبريطانيا ودول اوروبية اخرى.

من السهل القبض على الأحزاب الليبرالية أو التحالفات التي تكونت منها وهي تصنع اليمين المتطرف وتدفع الجمهور الأوروبي نحوه، فبالاضافة إلى فشلها الاقتصادي والسياسي فإن تدخلاتها وحروبها العسكرية والاقتصادية في دول الشرق الأوسط وأفريقيا وغرب آسيا وشرقها تقف وراء الهجرات الجماعية واللجوء الجماعي المهول نحو أوروبا، أليس هذا الملف هو أبرز شعارات اليمين وهو كذلك العنوان الرئيس للخطابات الحماسية الموجهة لتحريك عاطفة التملك والتفرد وطرد الغرباء للإيطالية ميلوني والفرنسية مارين لوبان وحتى الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب؟.

وفي الواقع يمكن رؤية الأحزاب الليبرالية هي يمينية متطرفة أيضا، لا يمكن التفريق بين الليبرالي الوسطي وأحزاب أقصى اليمين في التعاطي مع الاحتلال الإسرائيلي وحروب الابادة في فلسطين المحتلة، وقضايا اخرى في الشرق الاوسط والادنى، وهذا التداخل من أوسع ما يمكن قياسه وكثيرا ما شكلت الاحزاب الليرالية بتدرجاتها من الوسط إلى اليمين تحالفات وشكلت حكومات.

لا يمكن تجاهل أن اليمين المتطرف يصعد في اوروبا وأن الاحزاب الليبرالية تختفي وقد تغيب طويلا عندما يتسع صعود اليمين، لكن الطريقة والظروف التي وضع أقدامه عليها للصعود لا علاقة لها باليمين و يمكنها أن تنقلب عليه فيعود للسقوط مثلما جرى مع الاحزاب الليبرالية، فجمهورية ماكرون التي أوصلته للرئاسة لم يجد منها سوى 22% ومن المتوقع أن يختفي حزبه الذي غير تسميته من الجمهورية إلى الأمام إلى حزب النهضة على وقع هذه الازمة .

إن البديل الذي يتشكل الآن أو يعود على غرار تكتل اليسار في فرنسا والذي حل ثانيا بعد التجمع الوطني المتطرف ويمكن أن يكون الجبهة التي تمنع صعود اليمين إلى السلطة (احتمال ضعيف حاليا) هو البديل الفعلي عندما تتعثر الاحزاب اليمينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى