الأمية وباء يهدد مستقبل أبنائنا
عبد الرضا غالي الخياط
يقاس تقدم الأمم ورقيها بحسب المعايير الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، ولعل المقياس الصحيح هو جانب التربية والتعليم الذي يعد أهم المقاييس والمعايير، حيث أن نسبة الأمية في أمة ما، تحدد مدى الرقي للأمة وتطورها، حيث نرى هذه النسبة منخفضة جداً في الدول المتقدمة قياساً إلى بلداننا العربية وبلدان العالم الثالث، التي تشكل فيها نسبة الأمية (70%) من إجمالي عدد السكان، ولعل من الضرورة التأكيد على أهمية التعليم في المجتمع، ولكننا للأسف الشديد نرى أن أغلب بلداننا العربية مازالت تفتقر إلى ثقافة فاعلة تتجاوز الحاضر، لتطل نحو المستقبل. فإن القيمة الثقافية للأفكار والأشياء تنعكس على طبيعة ارتباطها بالفرد والمجتمع، وبالمحصلة النهائية تنتج ما هو متحقق من تلك القيم، وعلى الرغم من ثورة الاتصالات والتكنولوجيا التي يشهدها العالم اليوم بشكل غير مسبوق، والتي غيرت من وجه الحضارة في العقود الأخيرة، إلا إن الأمية مازالت تنخر في مجتمعاتنا وبنسبة كبيرة جداً، وبالخصوص في أوساط الشباب. وتعد الأمية من أخطر معوقات التنمية والتقدم والرقي في بلداننا العربية، ويعاني العراق من ذلك شأنه شأن تلك البلدان، من مشاكل متعددة، منها سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وفي المقدمة تأتي الأمية التي تشكل نسبة كبيرة بين أوساط واسعة من شرائح المجتمع العراقي، حيث تشكل هذه الظاهرة معوقات كبيرة تواجه التقدم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. فهناك اليوم 13 مليون طفل منعوا من الذهاب إلى المدارس بسبب الحروب القائمة في كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن، وذلك تحصيل حاصل نتيجة الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. حسب ما جاء في تقرير صندوق الأمم المتحدة لرعاية الأطفال (يونيسيف)، الصادر في أيلول 2015. وهذا رقم مخيف ومخيب للآمال، من ان يمنع 13 مليون طفل من تلقي التعليم في المدارس، وهو ما قد يحطم أمالهم ومستقبلهم. وقد أشارت (اليونيسيف) إلى ان الهجمات على المدارس هي أحد الأسباب الرئيسة بالدرجة الأولى لعدم تمكن أطفال كثيرين من الذهاب إلى الفصول الدراسية مع استخدام مثل هذه المباني كمأوى للأسر المشردة أو كقواعد للمقاتلين. كما ذكر التقرير الآنف الذكر: يوجد نحو أكثر من تسعة آلاف مدرسة لا يمكن استخدامها للتعليم، في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا، وأضاف: الخوف دفع آلافا من المعلمين في أرجاء المنطقة إلى التخلي عن وظائفهم وهو ما يمنع أيضا الآباء من إرسال أطفالهم الى المدارس. وفيما يخص العراق وحده قال المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، في بيان لها يوم الثلاثاء 8/ 9 / 2015 (ان مستويات الفقر في العراق للعام 2014 بينت ارتفاع نسبة الفقر في العراق إلى 22,5 %) مشيرا الى ان مستوى الفقر في إقليم كردستان كان الأقل قياسا الى باقي المحافظات، حيث سجل نسبة 12%، في حين كانت المحافظات المحتلة من قبل داعش سجلت 41%). وأشار الهنداوي الى ان (نسبة الفقر في المحافظات الجنوبية بلغت مستوى 13%، في حين بلغت نسبة الفقر في المحافظات الوسط 17%، مبينا ان (بغداد كانت نسبة الفقر فيها 13%. يذكر ان وزارة التخطيط توقعت في آب 2014، ارتفاع نسبة الفقر في العراق الى 30% بسبب الأوضاع الأمنية التي تشهدها بعض المحافظات العراقية. وفي سياق منفصل، أوضح المتحدث باسم الوزارة نتائج المسح الوطني للنازحين لسنة 2014 الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء في بداية هذا العام 2015 (بينت ان نسبة الأمية في العراق بلغت 18% موضحة (أن هذه النسبة ارتفعت بين الإناث إلى 20%). وأضاف الهنداوي أن (نسبة الأمية بين الذكور بلغت 14%، فيما بلغت نسبة الأمية بين النازحين 14%)، مبيناً أن ما يقارب 22,4% من النازحين تركوا التعليم بسبب النزوح). يذكر أن الهيئة العليا لمحو الأمية أعلنت في العام 2012 أن عدد الدارسين الأميين من غير الموظفين زاد عن 226 ألف شخص، فيما بينت أن عدد مراكز محو الأمية في عموم العراق بلغت 3344 مركزاً، كما أكدت ان نينوى تصدرت المرتبة الأول عن باقي المحافظات الأخرى في مكافحة الأمية. وما دام النجاح في أي عمل يتوقف على القائمين عليه وعلى مدى إخلاصهم وكفاءتهم، فإن نجاح العملية التربوية في مجال محو الأمية يعتمد على العاملين في هذا الجانب، وبالخصوص شريحة المعلمين لأنهم يشكلون عنصراً أساسياً ومهماً في العلمية التربوية. فإن للمعلم دورا فعالا في تحقيق الأهداف المرسومة للأنظمة التربوية، ويعد أهم العناصر التي تزيد من كفاءة وفاعلية إي نظام تربوي، إذ إنه وعلى الرغم من إن العملية التربوية كنظام تعليمي تشمل العديد من العوامل، أهمها الأهداف: المتعلمون، الإدارة، المعلمون ،الوسائط التعليمية، ومن ترابط هذه العوامل وتأثيرها، بعضها في البعض الآخر يتوقف نجاح هذه العملية عليها جميعاً. فأن المعلم يبقى من أهم تلك العوامل، فهو الذي يستخدمها الاستخدام الأمثل لبناء الإنسان المتعلم بما يتناسب وفلسفة الدول النامية، ولاسيما في الأقطار العربية ومنها العراق. وان تطور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية يجعل منها مركزاً مهماً من مراكز التغيير ويجعل من المعلم رافداً أساسياً من روافد النهضة والتغيير في المجتمع. وقد أثبتت التجارب العالمية من إن إنجاح التجربة التعليمية تقع على المعلم بينما تقع النسبة الباقية على الجوانب الأخرى كالإدارة والمناهج والكتب وظروف المتعلم العائلية وإمكانات المدرسة والمؤسسة التعليمية. لذا ينبغي علينا الالتفات إلى ظاهرة الأمية وإعادة النظر فيها، وطرح برامج جديدة أكثر فاعلية بما فيها إشراك منظمات المجتمع المدني. وأمام هذه الحقيقة لابد من إعادة الكرة ثانية وتأهيل الأميين بما فيهم الشباب ومن كلا الجنسيين والذين يعدون بالملايين، لذلك لابد من أن تضع وزارة التربية والتعليم، برامج خاصة في هذا المجال، للحد من تفشي هذه الظاهرة ووضع الحلول الناجعة لها من أجل القضاء على الأمية وبناء مجتمع ينعم بالخير والرخاء والتقدم. هذا وقد كشف مؤخراً تقرير نتائج جودة التعليم العالمي الصادر عن (المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس) لعام 2015 – 2016، الصادر يوم الأربعاء 30 أيلول الماضي والذي شمل 140 دولة، عن تدني اغلب الدول العربية في جودة التعليم العالي ومنه التعليم الأساسي (الابتدائي) حيث حصلت سنغافورة على الترتيب الأول، فيما جاء ترتيب الدول العربية حسب التسلسل التالي قطر 4، الإمارات العربية المتحدة 10، الكويت 34، البحرين 39، عمان 62، لبنان 35، الأردن 45، السعودية 54، تونس 84، المغرب 110، والجزائر 119، فيما كان ترتيب مصر في المرتبة 139 في محور جودة التعليم الأساسي (الابتدائي) حيث سجلت في المركز 116 في جودة التعليم العالي والتدريب التقني. والبارغواي في المرتبة 138، وغينيا في المرتبة 140، كما جاء كيان الاحتلال (إسرائيل) في المرتبة 37. وقد أعتبر مؤشر (دافوس) كلا من ليبيا وسوريا والعراق واليمن والصومال دول غير مصنفه لأنها لا تتوفر فيها أبسط معايير الجودة في التعليم !! وقد سبق ان حذر تقرير أول مفصل نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP من خطورة تدني مستوى التعليم في العالم العربي، (مؤكداً أنه على الرغم من الجهود التي بذلها العالم العربي في ميدان التربية والتعليم منذ منتصف القرن العشرين، أي بعد استقلال معظم الدول العربية، مازال مستوى التعليم دون معدل معظم البلدان النامية، فنسبة الأمية بين البالغين، وإن انخفضت من 60% إلى 43% في منتصف التسعينيات فإن التقرير يرى أنها عادت للارتفاع وأن العالم العربي دخل القرن الحادي والعشرين بعبء أكثر من 60 مليون أمي غالبيتهم من النساء. ومن المتوقع ألا يستطيع العالم العربي القضاء على أمية الرجال قبل حلول العام 2025، أما بالنسبة للنساء، فسوف لن يكون ذلك قبل حلول 2040).



