إبراهيم تايه يرسم لوحات تشم منها رائحة القنابل والرصاص

في معرض “نقطة ضوء”
المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يعد الفنان ابراهيم حسين تايه، من الفنانين التشكيليين، الذين لا يتيهون عن إجادة رسم الحزن العراقي، فهو يشكل لغة مغايرة عن الآخرين، وهو في الوقت نفسه، لا يخرج عن الأساليب التي ظهرت مؤخرا، بين فناني العراق، على الرغم من كونه دائم البحث عن التجديد والتحديث، من أجل اظهار أعماله بحرفية متقنة.
وقال تايه في تصريح خص به “المراقب العراقي”: ان “اللوحات التي ضمها معرضي الشخصي الذي اقمته في قاعة أكد وحمل عنوان “بقعة ضوء” هي خلاصة ما تم انجازه في المدة الأخيرة من أعمال فنية تتعلق بالوطن والانتماء والحزن الذي يغلف الوطن، نتيجة ما مر به من أحداث عصيبة طوال السنوات الماضية، فمن خلالها تشم رائحة القنابل والرصاص”.
وأضاف: ان “الرسم بالنسبة لي هو محاولات لتفريغ ما أعيشه سواءً كان فرحا أو حزنا، ولكن هناك ما يجمعها وهو الأسلوب التجريدي الذي اتخذته مساراً لي، للتعبير عمّا أعيشه من أمور الحياة”.
وتابع: ان “تايه هو اسم جدي وكثيرا ما يناديني الاصدقاء بهذا الاسم، ولكنني لم أكن يوما تائهاً عن إجادة رسم الحزن العراقي، فالواقع يفرض على الفنان تجسيد ما يراه الى لوحات تعطي الانطباع الحقيقي لمعاناته من ظروفه، ومن المحيط سلبا وايجابا، وهذا ما حدث كثيرا، وانتجت من خلاله العديد من اللوحات”.
عن المعرض الأخير، قال الناقد والتشكيلي فاضل ضامد: “عندما تكون مزارعا وتعيش بين البساتين، تنهض أفكارك بتغيير سلوك فرشاتك باعتبار ان العين امتلأت بالمادة اللونية والأشكال المبعثرة.. والحركة نحو تحقيق تلك الرغبة في التغيير تحتاج الى جرأة واسعة وقوة حتى يتحرك عندك المعنى ويبقى الشكل مرتبكاً بين ذلك المشهد وهذه الإثارة.. ولذا اتخذ الفنان ابراهيم حسين تايه، اسلوبا متحركا ليحول تلك الأشكال الطبيعية الى توريثات كثيرة من المفاهيم الحسية، مجربا ومجردا بين الأشكال الواضحة والمبنية على أسس تكاد ان تكون طبيعة مجاورة أو يخرج تماما نحو التجريد يُبقي لون الطبيعة الزاهرة، نافيا أشكالها الى كائنات وفضاءات من أكوان ذات الطابع المنتمي الى المدرسة التجريدية الصرفة.
باعتباري أحد المتلقين لأعمال الفنان تايه ومتابع جيد لأعماله منذ بداية 2003.. وجد الفنان طريقا نحو التجريد باتخاذ اللون والمساحة هما الشكل والمضمون عنده ربما جاءت من خلال تواتر ضربات الفرشاة الكبيرة، لتترك شكلا مربعا بين فضاء وآخر مربع، ثم يوحد هذه الايقونات باندماجها مع بعضها عبر تحريك الأشكال مرة بوحدات آدمية لانتماء تعبيري، وأخرى يتركها مترابطة كأشكال أو ايقونات كانتماء تجريدي.
المثابرة والتواصل الدؤوب عند الفنان تايه، تضيف له خبرة متراكمة لاكتشاف وتقصي ما هو جديد في الساحة التشكيلية من ظهور مستجدات واعية من أساليب وبصمات مختلفة بين فناني العراق وحتى لقاءاته خارج البلد.
كحاجة ملحة يجد الفنان، ان اللون في أعماله يشغل حيّزا مهما بعيدا عن اشراك المرموزات والايقونات، هذه الممارسة الواضحة جاءت من تجربته واطلاعه على فناني التجريد وخصوصا كاندنسكي وبراك باعتبار ان تجربته قد تأثرت كثيراً بهذين الاسلوبين كما فعل كثير من فناني العراق بالتأثر بمرجعياتهم والمدارس الفنية المتوالية..
وإذا أخذنا عينة من أعماله الأخيرة تجدها اتخذت شكلا آخر هو ثمرة جهوده التي مازالت تتحرك بشكل مستمر لبناء الشخصية المتكاملة كفنان يؤثر..
التجارب الكثيرة توثق بخاتمة مذهلة والنتاج المستمر والدؤوب هناك ما بعده نتائج رائع.. في أعمال الفنان تايه وبالأخص أعماله التجريدية وبلا عناوين ولا اكتراث من المتلقي ولا حتى الناقد هو حر طليق بتعبيراته الحسية التي تترامى بعيدا في عقل المتأمل، ربما هناك اشكالية بناء العمل فرشاته تتحرك ببعدين كأنهما لازمتان أوصد أفكاره عليها حتى لا يخرج من أسلوبه الآني يبعثر كل اللون والفضاء أينما حط خياله، ليهدأ على محطته الأخيرة لوحة متزنة.. مسافر ويحمل في جعبته وطناً أسير بين التحرر والخرافة وبين الشك واليقين يبصم على أعماله بوعي متكامل لا يخاف رأي الآخر لذلك تجده متقداً ومنتجاً بين ما هو متكامل كعمل وبين التجريب للبحث والتقصي للتغيير، هو فنان مشرق ومتفاءل حتى في يومياته.
كان تايه مندمجاً مع العمل لا يتركه حتى يكتمل، واضحاً من خلال حبه للكرافيك وما له من صعوبة في الإنتاج، فالتعامل مع المواد ربما يسبب أخطاءً كثيرة، إلا ان تايه كانت أعماله دقيقة ورائعة وفي حد المعقول وبساطة العمل كان نتاجه عملياً مبهراً.



