الإمام علي بن موسى الرضا (ع) وشروط كلمة التوحيد

السيد جعفر مرتضى العاملي..
موقف الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في نيشابور، لم يكن أبدا من المصادفة كما لم يكن ذكره للسلسلة التي يروي عنها من المصادفة أيضا؛ حيث أبلغ الناس في ذلك الموقف، الذي كانت تزدحم فيه أقدام عشرات بل مئات الألوف أبلغهم: «كلمة لا إله إلا الله حصني؛ فمن دخل حصني أمن من عذابي.
هذه الكلمة.. التي عدَّ أهل المحابر والدوى، الذين كانوا يكتبونها؛ فأنافوا على العشرين الفا.. هذا على قلة من كانوا يعرفون القراءة والكتابة آنذاك، وعدا عمن سواهم ممن شهد ذلك الموقف العظيم..
ونلاحظ: أنه (عليه السلام) ـ في هذا الظرف ـ لم يحدثهم عن مسألة فرعية، ترتبط ببعض مجالات الحياة: كالصوم، والصلاة، وما شاكل. ولم يلق عليهم موعظة تزهدهم في الدنيا، وترغبهم في الآخرة، كما كان شأن العلماء آنذاك..
كما أنه لم يحاول أن يستغل الموقف لأهداف شخصية؛ أو سياسية، كما جرت عادة الآخرين في مثل هذه المواقف.. مع أنه يتوجه إلى مرو؛ ليواجه أخطر محنة تهدد وجوده، وتهدد العلويين، ومن ثم الأمة بأسرها.
وانما كلم الناس باعتباره القائد الحقيقي، الذي يفترض فيه: أن يوجه الناس ـ في ذلك الظرف بالذات ـ إلى أهم مسألة ترتبط بحياتهم، ووجودهم، إن حاضرا، وإن مستقبلا. ألا وهي مسألة:
التوحيد: الذي هو في الواقع الأساس للحياة الفضلى، بمختلف جوانبها، وإليه تنتهي، وعليه وبه تقوم.
التوحيد: الذي ينجي كل الأمم من كل عناء وشقاء وبلاء. والذي إذا فقده الانسان؛ فإنه يفقد كل شيء في الحياة حتى نفسه.
مدى ارتباط مسألة الولاية بمسألة التوحيد:
هذا.. ولأنه قد يكون الكثيرون ممن شهدوا ذلك الموقف لم يتهيأ لهم سماع كلمة الإمام (عليه السلام)؛ لانشغالهم مع بعضهم بأحاديث خاصة؛ أو لتوجههم لأمور جانبية أخرى، كما يحدث ذلك كثيرا في مناسبات كهذه..
نرى الإمام (عليه السلام) يتصرف بنحو آخر؛ حيث إنه عندما سارت به الناقة، وفي حين كانت أنظار الناس كلهم، وقلوبهم مشدودة إليها..
نراه يخرج رأسه من العمارية؛ فيسترعي ذلك انتباه الناس، الذين لم يكونوا يترقبون ذلك منه. ثم يملي عليهم ـ وهم يلتقطون أنفاسهم؛ ليستمعوا إلى ما يقول ـ كلمته الخالدة الاخرى:
” بشروطها؛ وأنا من شروطها “.
لقد أملى الإمام (عليه السلام) كلمته هذه عليهم، وهو مفارق لهم؛ لتبقى الذكرى الغالية، التي لا بد أن يبقى لها عميق الأثر في نفوسهم.
لقد أبلغهم (عليه السلام) مسألة أساسية أخرى، ترتبط ارتباطا وثيقا بالتوحيد، ألا وهي مسألة: “الولاية “.
وهي مسألة بالغة الأهمية، بالنسبة لأمة تريد أن تحيا الحياة الفضلى، وتنعم بالعيش الكريم؛ إذ ما دامت مسألة القيادة الحكيمة، والعادلة، والواعية لكل ظروف الحياة، وشؤونها، ومشاكلها ـ ما دامت هذه المسألة ـ لم تُحل؛ فلسوف لا يمكن إلا أن يبقى العالم يرزح تحت حكم الظلمة والطواغيت، والذين يجعلون لأنفسهم صلاحيات التقنين والتشريع الخاصة بالله، ويحكمون بغير ما أنزل الله؛ وليبقى العالم ـ من ثم ـ يعاني الشقاء والبلاء، ويعيش في متاهات الجهل، والحيرة، والضياع.
وإننا إذا ما أدركنا بعمق مدى ارتباط مسألة: «الولاية» بمسألة «التوحيد»؛ فلسوف نعرف: أن قوله (عليه السلام): «وأنا من شروطها» لم تمله عليه مصلحته الخاصة، ولا قضاياه الشخصية.. ولسوف ندرك أيضا: الهدف الذي من أجله ذكر الإمام (عليه السلام) سلسلة سند الرواية، الأمر الذي ما عهدناه، ولا ألفناه منهم: إلا في حالات نادرة؛ فإنه (عليه السلام) قد أراد أن ينبه بذلك على مدى ارتباط مسألة القيادة للأمة بالمبدأ الأعلى..
وعدا عن ذلك كله.. فإننا نجد أن الإمام (عليه السلام)، حتى في هذا الموقف، قد اغتنم الفرصة، وأبلغ ذلك الحشد الذي يضم عشرات بل مئات الالوف: أنه الإمام للمسلمين جميعا، والمفترض الطاعة عليهم، على حد تعبير القندوزي الحنفي، وغيره.. وذلك عند ما قال لهم: «وأنا من شروطها».
وبذلك يكون قد ضيع على المأمون أعظم هدف كان يرمي إليه من استقدام الإمام (عليه السلام) إلى مرو. ألا وهو: الحصول على اعتراف بشرعية خلافته، وخلافة بني أبيه العباسيين..
إذ إنه قد بين للناس بقوله: «وأنا من شروطها»: أنه هو بنفسه من شروط كلمة التوحيد، لا من جهة أنه ولي الأمر من قبل المأمون، أو سيكون ولي الأمر أو العهد من قبله؛ وإنما لأن الله تعالى جعله من شروطها.
وقد أكد (عليه السلام) هذا المعنى كثيرا، وفي مناسبات مختلفة، حتى للمأمون نفسه في وثيقة العهد، وأيضا في الكتاب الجامع لأصول الاسلام والأحكام، الذي طلبه منه المأمون؛ حيث كتب فيه أسماء الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) مع أن عددا منهم لم يكونوا قد ولدوا بعد، كما أنه ذكر أسماءهم في احتجاجه على العلماء والمأمون في بعض مجالسهم العلمية، وفي غير ذلك من مواقفه الكثيرة (عليه السلام).



