شيء من الأيام في زمن صدام ..

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
((( 4 ))) الخاتمة
لحظات من الشرود الذهني أخذتني لما كنت به من ساعات كانت لها تداعياتها المباشرة على حالتي النفسية والصحية لكنني كنت بحالة من الإصرار في ثنايا الوجدان على أن أبقى قويا ثابتا متماسكا أمام زبانية النظام في مديرية الأمن بقدر ما أستطيع حتى آخر لحظة . أعاد كبير الجلاوزة أستاذهم ما قاله لي : ( إشبيك ما تسمع .. أقل لك اكتب بخط يدك الإجابة عن هذا السؤال .. هل لديك أقوال أخرى ) ؟ أجبته مستفسرا عن أي شيء أكتب وماذا أكتب ؟ رد عليَّ بأن أكتب ما أشاء وما أرغب فأنا حر في الكتابة . مسكت القلم وفكرت متحسبا لكلامه وأتساءل في نفسي إذا ما كان يقصد أن أكتب وصيتي أم ماذا ؟ . لكنني وبانسيابية واسترسال من دون قصد كتبت بالنص : ( أنا أرفض الخروج من هنا ولا أريد العودة للبيت ) أعطيتهم الورقة ليقرأها (الأستاذ) .. نظر لي بعيون تملأها الدهشة والتعجب وقال لي بعد قهقهة على أنغام أخو هدلة : (وليش يابا ما تقبل تطلع وما تريد ترجع لبيتكم ) التفت الى الموجودين وقال لهم ( تصوروا.. حضرتو ما يقبل يطلع !!؟ ) ثم التفت لي وقال .. (خبّرني صدُكْ بالله ليش يعني جنابك ما ترضى تطلع من هين ؟) قلت له : ( العفو أستاذ أشوفها صعبة عليَّ أرجع لبيتنه والجيران كلها شافتني إشلون تم أخذي مثل المجرم مقبوض عليه وإحنا عائلة معروفين وآني أقرب صديق إلي هو أخو الرفيق .. س .. ودائما يجيني للبيت فشنو موقفي وشنو راح أجاوب الناس التسألني وين أخذوك وليش أخذوك ؟ لهذا السبب آني أرفض الخروج . لأن ما عندي جواب مقنع لا لأهلي ولا للناس .) وإذا به يقول لي بنبرة حادة .. ( قل لهم مثل ما قالوا الرفاق لأبوك .. أنت وأستاذ الإنكليزي متعاركين .. سوء تفاهم وصالحوكم.) توقفت بذهني مفردة أستاذ الإنكليزي ثم قلت له (لا أستاذ .. لا ما أطلع ) . صاح بي بصوت أعلى .. ( لا … تطلع واليسألك كول له مثل ما كتلك ) قلت له .. أرجوك أستاذ ما أطلع .. فصرخ بي بأعلى صوته وقال ( مو بكيفك .. نكول تطلع يعني تطلع .. واضح .. يلا تفضل روح لبيتكم وكون حذر وافتح عينك زين مو كلشي تشوفه تقراه بعد). قلت في نفسي لنفسي إحترم نفسك وأسكت . وغادرتهم صامتا برفقة أحد الموجودين حتى باب الدائرة .. بين الصدق واللا صدق .. بين الواقع وبين الحلم .. أقدامي تتسارع يضرب بعضها بعضا .. أتمتم بجملة واحدة لا غيرها ( الحمد لله الشكر لله ) دمعت عيوني شكرا لله العظيم ، أسأل نفسي هل فعلا أخرجوني .. إلهي هل نجوت يا رب ؟؟.. لم أستطع مواصلة السير فاستأجرت سيارة أجرة توصلني الى البيت .. كان الليل قد أسدل ظلامه والصمت والسكون يسطو على شارعنا بالتمام والكمال … وقفت السيارة فنزلت منها فلمحت أحد جيراننا ينظر لي من خلف الباب المفتوح قليلا . دخلت بيتنا فكان مشهدا دراماتيكيا ولا كل المشاهد . بكاء بتهليل وهلاهل في نحيب وصلاة على محمد وآل محمد رغم أني علمت أنهم جلبوا والدتي للتو من المستشفى إثر إصابتها بغيبوبة بعد تلك الساعة المشؤومة .. لم يزرنا زائر في تلك الليلة حتى من الأقارب ويبدو أنه تحوط وخشية من رقابة أزلام النظام .. في اليوم التالي وفي إصرار مني على مواجهة الأمور ذهبت الى المدرسة وفي درس اللغة الإنكليزية كنت منتظرا المدرس الذي غدرني وكاد يودي بحياتي .. دخل الأستاذ بأناقته المعروفة فشد انتباهه وجودي لكنه تلافى الأمر وصمت ولم يعلّق شيئا وبراءة الأطفال بين عينيه !! قبل أن ينتهي الدرس طلب كعادته أن يعطيه الطلاب مصطلحات أو مفردات ليرادفها في اللغة الإنكليزية.. بدأ الطلاب يسألونه ، أحدهم قال له الحياة.. فأجابه (لايف) ثم قال الآخر ..الحرب فرد عليه ( واار ) فرفعت يدي وقلت له أستاذ .. قال تفضل .. قلت .. جبان .. حقير … خائن .. عميل .. سافل لم أكمل كلامي بعد .. أما هو فلزم الصمت وخرج من الصف مسرعا قبل أن يطرق الجرس أما زملائي من الطلاب فقد طغت عليهم الدهشة والحيرة والسكون ولا زال بعض من ألتقي منهم يتذكر تلك اللحظات . لم نرَ مدرس الإنكليزية بعد ذلك اليوم وعلمت لاحقا أنه تم تنسيبه الى السفارة العراقية في موسكو !!! أما أنا فقد حمدت الله كثيرا وأيقنت أننا في كثير من الأحيان نكون مُسيّرين لا مُخيرين لأمر يريده الله لنا وفينا ومنا ولدعاء الوالدين فضل لا يوازيه كل الكون والله واسع عليم بصير كريم … والحمد لله ربِّ العالمين.



