اخر الأخبار

قدرة المثقف على تطوير منظومة الفكر والسلوك

في البلدان التي تعي دور المثقف وقدرته على تطوير منظومة الفكر والسلوك معا، ستعمل على نحو جاد من أجل توفير متطلبات الابداع للمثقفين، وإتاحة الظروف اللازمة لهم لكي تتحول أفكارهم الى مناهج عمل تطبيقية في ميادين الحياة من أجل تطوير المجتمع ونشر الدين فيه، ومن الملاحظ ان الدول الغربية على سبيل المثال تهتم كثيرا بالحقول والعلوم الانسانية، فيما يهتم الآخرون الاقل ونحن منهم بالمناهج العلمية التطبيقية كالطب والهندسة وما شابه، متناسين ان العلوم الانسانية والفكر عموما لهما قصب السبق في التطور البشري عموما ففي مجتمعاتنا العلوم الإنسانية دائماً ما تكون متأخرة مرتبة عن العلوم التطبيقية. لذا لا بد من اتاحة الفرصة كاملة امام المثقف، واهم الجوانب الحرية، فالمثقف والحرية صنوان متلازمان، أحدهما قريب من الآخر الى درجة التشابه والتداخل التام لكن ليس أي مثقف وأي ثقافة فالمثقف الواعي لمشاكل أمته والذي يحاول أن ينهض بها بقدر المسؤولية الملقاة على عاتقه، لذا ابتعاد المثقف عن الحرية يعني ضعفا وتراجعا وربما تدميرا لبنى المجتمع ، أما حضور احدهما الى جانب الآخر فيعني ازدهارا لكليهما، لذا فالمثقفون الذين يؤثرون بالناس ويصنعون الفارق هم من يخلق ثقافة المجتمع أكيداً برعاية رجال الدين وتوجيههم كي لا ينحرف المثقف فتنحرف الثقافة يقول الإمام الخميني(قدس سره): “وإذا كانت الثقافة التي يمتلكها الشعب أو المجتمع هي العنصر الأساس في مقاومة أي شعب أو مجتمع في مقابل التسلط السياسي والاقتصادي للأجانب، فإن حذف هذا العنصر يدفع القوى المستعمرة والمتسلطة إلى عدم رؤية القوى المقاومة وعدم أخذها بعين الاعتبار وبالتالي يتمكن المستعمر من الوصول إلى أهدافه السياسية والاقتصادية بسهولة، حيث تعيش الأمة المغلوب على أمرها حالة من الغفلة”. أي إن هذه الأمة ليست لها حرية بسبب تبعيتها للآخر وثقافتها مغيبة لصالح ثقافة المستكبر، وهذا متأتٍ كما يقول الإمام (قدس سره) من أن حضور الأساتذة والمعلمين المنبهرين بالشرق والغرب في المراكز التعليمية، هو من جملة الأساليب الثقافية التسلطية التي استخدمها المستعمرون ضد المجتمعات، فتُقدم ثقافتنا وحضارتنا في هكذا مراكز تعليمية على أنها أمور قديمة ارتجاعية، بعد ذلك يعمدون إلى تقديم الشرق والغرب باعتبارهما بديلين وحيدين لما تم نسخه. والنتيجة أن يتفاخر الطلاب والأساتذة والعلماء والمثقفون بتبعيتهم للشرق والغرب. ومن هنا تظهر عملية انزواء الثقافة الذاتية”، ومن هنا التجمع الثقافي هو حاصل جمع المثقفين الواعين والعارفين بأمور دينهم ودنياهم المحددين لعدوهم غير المنبهرين بثقافته، وهنا يُثار التساؤل التالي: هل استثمرت المؤسسة الثقافية هامش الحرية المتاح لها راهنا ؟. وهل كان المثقف العراقي فاعلا في سعيه لترسيخ النهج التحرري، وهل تم استثمار المتاح من التحرر كما يجب أن يُستثمَر؟، وهل فكّر المعنيون بالثقافة العراقية، أفراد أو تجمعات، بأن التراجع والنكوص والتردد في استثمار الحرية يؤدي الى نتيجة معاكسة، قد تسمح للآخرين بسلب هامش الحرية، تماما وفرض النهج الاحادي المتطرف على الجميع ؟، كما يحصل الآن بعد أن نجحت القنوات الوهابية التكفيرية المدعومة من آل سعود ومن لف لفهم بعزل جزء مهم من أبناء الشعب العراقي وتصوير الحكومة والجيش على أنهما يخصان طائفة معينة دون أخرى، لذا كان على المثقفين الوقوف بوجهها دون طائفية ودون مذهبية وهذا ما لم يحصل إلا مؤخراً إذ كان من المفروض أن تمنع مثل هكذا قنوات من البث من العراق وتمنع الصحف الطائفية المدعومة من الخارج من الصدور أو الدخول للعراق وهذا كان دور المثقفين لكن أكثرهم انبهر بالثقافة الإستكبارية البعيدة عن المثل والقيم الدينية السمحة ما أدى الى تمزق وتخندق المجتمع طائفياً، إن المنطق الصحيح يقول بأنك إذا لم تستثمر المتاح لك في هذا المجال أو ذاك، فإن ذلك سيقودك الى نقيض ما تهدف إليه تماما فسوف يستثمر ذلك غيرك ويسد الفراغ، بمعنى أوضح إذا لم تستثمر الحرية كما يجب في دعم الثقافة عامة وثقافة التعايش السلمي خاصة وتطويرها، فإنك تسمح للمستبدين بإعادتك الى مربع القمع الفكري وسواه، ولو أننا سألنا بوضوح ومباشرة، هل كان المثقف العراقي فاعلا ومستثمرا جيدا للحرية ؟ سنقول بوضوح، كلا لم يقم المثقف الفرد ولا الجماعة ولا المؤسسة الثقافية بالاستثمار الامثل للحرية المتاحة، إذ هناك خمول بيّن، وكسل لا يقبل الدحض، رافق الحراك الثقافي فردا أو جماعات، لدرجة أننا على سبيل المثال نستطيع أن نؤشر نشاطا شكليا لمعظم مؤسسات المجتمع المدني في العراق، حيث كثر عددها وتمويلها أضعافا، فيما غاب دورها وتقاعست في استثمار الحرية، بعد أن فشلت في اداء الدور الرقابي على الناس وتشخيص أخطاء الحكومة، وجُيِّرتْ معظم فعالياتها لأغراض شكلية واضحة وفارغة من المحتوى وبعيدة عن الدين طائفية في أغلب الوقت، وينطبق هذا الكلام على المنظمات الثقافية والنخب ايضا، بمعنى أوضح لقد تضاعفت هذه المنظمات مقابل ضمور واضح لترسيخ المنهج التحرري عن قوى الاستكبار وتبريز هوية العراق الحضارية الإسلامية لا العراق الملتسق بكل الثقافات الذي ليست له هوية ثقافية ذات أساس ديني صحيح، وربما لا نخطئ اذا قلنا أن الثقافة فشلت حتى الآن في المساهمة الصحيحة بتطوير المجتمع ودفعه نحو المدنية والمعاصرة، وهو دور فشل في تحقيقه المثقفون وكل المنظمات الثقافية، لذلك فإن تقصير المثقف في هذا الحيّز لا يحتاج الى أدلة، لأن فشل المنظمة الثقافية في تعميق الحرية واستثمارها بالصورة المثلى، لا يعود الى قادتها الاداريين او الماليين وما شابه فقط، بل لأن فشل المثقف الفرد، يقود الى فشل المنظمة وكذا المؤسسة الثقافية. أما السبب الاساس فيعود الى الابتعاد عن الأساس الصحيح للنهوض بالبلد وهو الدين وتفعيل الدور الديني فالبعض من رجال الدين الطائفيين يتبوءون مراكز مرموقة لا تليق بهم وبأمثالهم في مقابل تغييب الرجال الصالحين من دعاة الوحدة الوطنية وحقن دماء المسلمين والتعايش مع الآخر، وهنالك أسباب أخرى منها كما ذكرنا التبعية للثقافة الإستكبارية والكسل والخمول والتردد والخوف أيضا، إذ تؤدي كل هذه العوامل مجتمعة الى فسح المجال للاستبداد بالظهور والتنامي، على حساب الهامش التحرري الذي لم يطوره المثقفون ولا منظماتهم الثقافية المختلفة وعلى رأسها المنظمات الثقافية الدينية فالفرد العراقي خاصة والمسلم عامة من السهل التوجه إليه بخطاب ديني فإذا كان هذا الخطاب ذا منهج صحيح مالئاً للفراغ الثقافي عند الفرد وبالتالي عند المجتمع فإنه سيصلح الفرد فيصلح المجتمع وإلا فإن الفراغ الثقافي وخاصة على الصعيد الديني سيسمح بتهديم المجتمع بالخطاب الديني المتطرف الذي لا يهدف إلى تمزيق العراق والرجوع به إلى عصر الإستبداد، لذلك نحتاج الى المثقف الذي يتحلى بروح الاقدام أولا، وبتفضيله للعمل الثقافي الجماعي على الفردي، وبوعيه المكتمل في ضرورة فهم طبيعة المرحلة التي نمر بها، وكل هذا وسواه، يتأتى من خلال تمسك المثقف بمنهج الحرية الصحيح وترسيخه، بعيدا عن المنافع والمصالح الفردية، التي تقف وراء فصل الثقافة عن المنهج المتحرر وبالعكس. وما يحصل الآن في العراق من مجيء قطعان داعش وغيرهم من أوباش السعودية وقطر بدعم أمريكي صهيوني وتواطؤ كردي تركي ما هو إلا بسبب الهوة الكبيرة بين أطياف المجتمع التي سمحنا لها بأن تنمو داخلنا والتي أسمها الطائفية لذا علينا الآن أن نعي دور المثقفين في المجتمع وخاصة من رجال الدين المعتدلين من كل الطوائف في توضيح حجم المؤامرة الكبيرة التي حيكت للعراق ويراد تلبيسها له، لأن الإنسان بطبعه يستمع للذي هو قريب منه من طائفته وبني جلدته وإلا فالنتيجة لا تحمد عقباها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى