التوبة وشروطها

للتوبة أبواب ومجالات واسعة، تكمن في لجوء العبد المؤمن الى الخالق سبحانه وتعالى بعد خروجه عن المبادئ الإسلامية التي رسمت لنا.
والتوبةُ هي تَرْكُ الذنب، مَعرفةً بِقُبحه، ونَدماً على فِعله، وعزماً على عدم العودة إليه، وتدارُكاً لِما يمكن تداركه مِن أعمال، وأداءً لِما ضُيِّع مِن فرائض؛ إخلاصاً لله، ورجاءً لثوابه، وخَوفاً من عقابه. وَهي توفيق إلهيّ محض، لأنّ ذات الإنسان فقيرة، والفقر عَينُ الذات، مُتمحّض في الحاجة إلى الله تعالى فَمن يريد الرجوع إلى الله يحتاج توفيقاً وعناية خاصّة وإعانة منه تعالى؛ وهي توبة العبد الأولى. أمّا التوبة الثانية، فهي رجوع العبد إلى الله بالتوبة عن ذنوبه ومعاصيه، وَهي تحتاج -أيضاً- قبولَ الله تعالى ومغفرته. يبتدئ الله تعالى العبدَ برحمة الهداية، فَما إن يتوب العبد إليه حتّى يقبله ثانيةً. إذاً، توبة العبد محقوقة بتوبَتَيْن؛ توبة متقدّمة، وهي التوفيق للتوبة، وتوبة متأخّرة، وهي قبول التوبة.
أركان التوبة وشروطها
قَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام) لِقَائِلٍ في حَضْرَتِهِ: أَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ: «ثَكلَتْكَ أُمُّكَ، أَتَدْرِي مَا الاسْتِغْفَارُ؟ الاسْتِغْفَارُ دَرَجَةُ العِلِّيِّينَ، وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ؛ أَوَّلُهَا النَدَمُ عَلَى مَا مَضَى، وَاَلثَانِي العَزْمُ عَلَى تَرْكِ العَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً، والثَالِثُ أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى المخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللَّهَ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ، وَالرَابِعُ أَنْ تَعْمدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّي حَقَّهَا، وَالخَامِسُ أَنْ تَعْمدَ إِلَى اللَحْمِ الَذِي نَبَتَ عَلَى السُحْتِ فَتُذِيبهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى تُلْصِقَ الْجِلْدَ بِالعَظْمِ وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ، وَالسَادِسُ أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاَوَةَ الْمَعْصِيَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ» ويمكن تقسيم كلام الإمام (عليه السلام) وِفاقَ الشكل الآتي: الأوّلان رُكنان للتوبة، والثالث والرابع شرطان لِقبولها، والأخيران شرطان لِكمالها.
1. الندم مِن واضحات الأركان، وهو الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، أو الرجوع إلى الفطرة الطاهرة التي تدنّسَت بالذنب، ولا يمكن أن يتمّ هذا الرجوع مِن دون الندم على ما فات.
2. العزم على تَرك العَوْدِ رُكنٌ واضح أيضاً، فَلا يَصدق عنوان الرجوع إلى الله أو الرجوع إلى الفطرة الصافية من دونه، والندمُ يَستبطن العزم على عدم العَوْد؛ قال أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): “إِنَّ النَدَمَ عَلَى الشرِّ يَدْعُو إِلَى تَرْكِه”.
3. تدارُك ما هضمَه مِن حقوق الله وحقوق الناس شرطٌ للقبول.
4. أداء حقّ الله في كلِّ فَرض شرطُ للقبول أيضاً.
5. إذابة اللحم النابت مِن الحرام شرطُ الكمال.
6. إذاقة الجسم ألم الطاعة كما ذاق حلاوة المعصية شرطٌ ثانٍ للكمال.
آثار التوبة
إنّ آثار التوبة كثيرة، ولها فَضائل جَمّة وأسرار بديعة وَفوائد متعدّدة وبركات متنوّعة، مِنها:
1. سبب الفلاح والفوز بِسعادة الدارَيْن: قال تعالى: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾.
2. تُكفّر السيّئات: قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَة نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَئَِّاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰت تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ فَإذا تاب العبد توبة نَصوحاً كفَّر الله بها ذنوبه وخطاياه جميعها.
3. التوبة تُبدّل السيّئات حسنات: قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَٰلِحا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَئَِّاتِهِمۡ حَسَنَٰتۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورا رَّحِيم﴾، فإذا حسنَت التوبة بَدَّل الله سيّئات صاحبها حسنات. وهذا مِن أعظم البشارة للتائبين، إذا اقترنَ بِتوبتهم إيمان وعمل صالح.
4. سبب للمتاع الحسن والخيرات: قال تعالى: ﴿وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَل مُّسَمّى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡل فَضۡلَهُۥۖ﴾، وقال على لسان نوح (عليه السلام): ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارا ١٠ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارا وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰل وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰت وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰر﴾.
5. الله يُحبّ التوّابين: قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ﴾، فَعبوديّة التوبة مِن أَحبّ العبوديّات إلى الله وأكرمها.
6. الله يفرح بِتوبة التائبين: قَالَ رسول الله (صلى الله عليه وآله): «اَللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ اَلْعَبْدِ مِنَ الظمْآنِ الْوَارِدِ وَالْمُضِلِّ الْوَاجِدِ وَالْعَقِيمِ الْوَالِدِ»، فَهو عزّ وجلّ يفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح، كما أنّ لهذا الفرح تأثيراً عظيماً في حال التائب وقلبه.



