اراء

هل أمن حكام العراق غضب الشعب ؟

محمود الهاشمي

كنت اظن ان سياسيينا الذين عاشوا ردحا من اعمارهم خارج الوطن، انهم قد استفادوا من تجارب الشعوب المتقدمة التي آوتهم في غربتهم ، وكنت اعتقد ايضا مثلما شاركني الاعتقاد كثيرون ، ان ذاكرتهم قد خزنت من الخطط والبرامج ما تسع لطول الوطن وعرضه بعد عودتهم ، وأنهم ما ان تطأ قدمهم ارض العراق ويمسكوا السلطة ، حتى يباشروا التطبيق ، على الاقل من باب (من عاشر القوم اربعين يوما صار منهم !!) ، وحتى نحن الذين لم نغادر البلد وعشنا تفاصيل ايامه ومعاناته ، امتلأنا بالصدق ان هؤلاء القادمين الى بلدانهم ، من سياسيي المعارضة ، سوف يملؤون الارض عدلا وقسطا ، وسينقلون تجارب الدول الاخرى ، بأسرع ما يكون ، فقد عانوا كثيرا من الغربة والمطاردة ، وفهموا معنى ان يعيش الانسان غريبا ذليلا ، ومعنى ان يكون للإنسان وطن وأهل وعشيرة .. وحلمنا بالبناء والعمران والحياة الهانئة لم يكن في حسباننا ان هؤلاء الذين أتوا رجالا أو على كل دبابة وحافظوا على عمائمهم ، وأربطتهم وأحذيتهم الانيقة ، ان يفعلوا هكذا بوطنهم ، لقد فعلوا فيه ما لم يفعل التتر بكل همجيته ، انتقموا من ناسه ومدنه وشوارعه وأنهاره ، وكأن هذه المعالم هي من كانت سببا في غربتهم ؟ لا هم استفادوا من تجارب وثقافات الشعوب الاخرى ولا استفادوا من ابناء الداخل !! كيف انتهى الوطن على ايديهم هكذا ؟.
كيف استولوا على مقدراتنا ، وبعثروا اشياءنا ومصيرنا لننتهي الى مجرد حطام ورماد ؟ من هم هؤلاء ، وكيف تعاملوا مع الوطن وكأنه خصم لهم ؟ من الذي جاء بهم من شتات الارض وأمرهم علينا ،وكيف ذهبنا بأرجلنا وانتخبنا جلادينا بأيدنا ؟. وأخيرا دفعوا الشعب ان يهجم عليهم وهم في عروشهم ويلقنوهم دروسا في الاداب ، وهم من جرّأ الناس عليهم !! وكما قال الامام علي عليه السلام: (هؤلاء استأثروا فأساءوا الاثرة وهؤلاء جزعوا فأساءوا الجزع). ها نحن نقف على مفترق الطريق ، استمكن منا خصومنا وامسكوا بغلاصيمنا ، وضعفت حيلتنا وقلت مؤونتنا ومازال الطريق طويلا . بات مشهد ساستنا امام الملأ موضع قرف وإزعاج كبيرهم وصغيرهم ، معممهم و(افنديهم) هم ثلة من الباغين المفسدين الجائرين لا اصل لهم ولا دين ولا خلق ، حشوا بطونهم وبطون اسرهم بالمال السحت ، ووضعوا اصابعهم في اذانهم واستغشوا ثيابهم واستكبروا استكبارا .. لا يسمعون نصيحة ناصح ولا يأخذون بقول راجح ، غلبت عليهم الكبرة، واستولت عليهم النفرة . ها هي دماء ابنائنا تسيح على اسفلت الشوارع ، اشلاء متناثرة ، وأمهات نادبات صائحات ولا من احد ولا مدد ، وفوق ذلك فقدنا سمعتنا وكرامتنا بعد ان صنفونا على اننا البلد الثاني في الفساد الاداري والمالي !! والعجب العجب ان بلدا مثل العراق حباه الله ماء وأرضا وثروات قل نظيرها ان ابناءها يفضلون الغرق في البحار هروبا منه بعد ان ضاقت بهم اوطانهم وقسى عليهم حكامهم .. ايما خيبة اصابتنا وايما لوعة ضربت في اعماقنا .. ها نحن نرى شعبنا يتقلى على صفيح الجوع والخوف والقلق ولا نقوى ان نفعل له شيئا ؟ ونرى وطننا يجزأ وأرضنا بور وأنهارنا تجف وزرعنا كالعصف المأكول . وقد طمع بنا اعداؤنا واستمرؤوا ذلتنا . ما الذي يمكن ان نفعله ، وقد تمادى هؤلاء علينا ، حتى اعتقدوا ان الشعب لا يقوى على فعل شيء ، كمن امن ردة فعله ونسوا ان الشاعر يقول (وأيديك ان طالت فلا تغترر بها .. فان يد الايام منهن اطول) سنعيدكم الى حيث كنتم ان توفرت لكم فرصة الفرار ستلقون على يد شعبكم ما لقاه الحكام الظالمون على ايدي شعوبهم .. لقد غركم الغرور وأخذتكم العزة بالإثم ونسيتم ان الله سبحانه وتعالى لا تأخذه سنة ولا نوم وان له ما في السموات والأرض .. سيأتيكم العذاب الاكبر وتتقيئون الزاد السحت الذي اكلتموه غصبا .. سيبدلنا الله بخير منكم ان طالت وان قصرت ، وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون .. ان موعدنا الصبح أليس الصبح بقريب !!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى