انتقاء التجارب الصالحة في شهر رمضان

مرَّ علينا العديدُ من التجارب السابقة التي قد يكون بعضها ضارا لنا، والآخر قد يشكل عصبا أساسيا في حياتنا المستقبلية.
ومن الأمور المحسومة جدليا أن تجارب الأمم وما يخوضه الآخرون عبر التاريخ، يُعدّ المخزون الأهم والأكبر للتجارب التي يجب أن يطلع عليها من يريد التطور والتقدم، فكل ما أنجزته البشرية في الماضي محفوظ في ذاكرة التاريخ، حيث الأفكار الهائلة التي خزّنتها الحافظة التاريخية والتجارب الهائلة للماضي.
ولكن مع سعة التاريخ الهائلة، فإننا لا نستطيع أن نصول ونجول في الحياة، بل علينا أن ندقق بأقصى ما يمكن في البحث عمّا ينفعنا، وعمّا نريده بالضبط، ذلك أن الحياة والعمر غير ممدود إلى الأبد، لكي يكون بمقدور الباحثين أن يتريّثوا ويختاروا ولا يراعوا سرعة الزمن في المرور السريع، لذا فالغوص في التاريخ لالتقاط التجارب مُنتقى سلفًا،
وهذا يفرض على الباحثين، استرجاع التجارب الصالحة من بطون التاريخ، لأن العمر والحياة لا يتسعان للخوض في جميع التجارب البشرية، بل علينا انتقاء الصالح والسليم والمفيد من التجارب والأفكار النافعة، كذلك علينا مراعاة الأوقات المناسبة لمواصلة معرفة هذه الأفكار، لذا يعدّ شهر رمضان من أنسب الأوقات للغوص الفكري العميق واقتناص التجارب.
وفي نفس الوقت يحتاج الموج الفكري إلى أجواء تناسبه، وتساعد الباحث على استمرارية هذا الموج وجعله متوقدا متحمسا بشكل متواصل، بالإضافة إلى الصفاء الفكري، حيث يوفر شهر رمضان أفضل الأجواء لمثل هذه النشاطات الفكرية المتوقدة.
من هنا يُستحسَن أن نستثمر شهر رمضان في الاطلاع على البحوث والدراسات والكتب التاريخية، بحثا عن الأفكار الناصعة، وعلينا أن نواصل هذا الموج الفكري لأن الأجواء ملائمة تماما لمثل هذه السياحة الفكرية المتواصلة في تجارب مثمرة تضج بالأفكار القيّمة التي يمكنها أن تدعم الإنسان بالأفكار والتجارب المضمونة النتائج.
دخول التاريخ من الأبواب الصحيحة
هكذا يتوجب على المسلمين دخول التاريخ من الأبواب المناسبة، وفي الأوقات المناسبة أيضا، ومن ثم انتقاء الشخصيات والأحداث المتفرّدة الناجحة في إنسانيتها وعمقها وقدرتها على ضخ المزيد من الأفكار المفيدة النقية، وهي حتما تكون متوفرة في حياة المصلحين العظماء من الذين قدموا للبشرية تجارب خلاقة وخالدة.
وهكذا نلاحظ ذلك الميل والتعطش لقراءة ودراسة السيرة النبوية عند الكثير من المسلمين وغيرهم، بسبب الرغبة الكبيرة للاطلاع على تفاصيل تلك الرحلة النبوية العظيمة لاسيما في بداياتها المضيئة، حيث كان الظلام يسود على كل شيء، وكانت العقول متحجرة والعادات المظلمة تسيطر على العقول والنفوس والقلوب معا.
فدائما هناك حاجة لاسيما في شهر رمضان، لمعرفة تلك الأحداث وجسامتها وفرادتها أيضا، حيث الخطر القاتل يحيط بأبطال التغيير العظماء، وحيث الموج الفكري يتوقد ويتصاعد ليغمر العقول في فيض من الأفكار والقيم والتقاليد الجديدة، قوامها الرحمة واللين والتسامح وتهميش العنف بكل أشكاله، وبهذا الموج الفكري المسالم تمكن المسلمون الأوائل من صنع أمة متفردة بنت دولتها التي ضاهت أعظم الدول في عصرها.
ومما يؤكد قوة الفكر على السيف، هو ما تحقق من انتشار سريع وواسع للأفكار والمعتقدات الإسلامية، وشمول أعداد وأمم كبيرة انضوت تحت فكر الإسلام، وكل هذا لم يحدث بالعنف، ولا بالقوة، ولا بأساليب المستعمرين المستبدين، بل حدث هذا الانتشار الهائل عبر الفكر، ومن خلال القيم المسالمة، وهنالك موجة الإرشاد الكبيرة التي رافقت ظهور الإسلام وانتشاره، وهذا كله يؤكد ويرسخ قوّة الفكر على السيف، واندحار العنف أمام قيم العفو واللين.
القناعة بالفكر ونبذ السيف
المعيار الذي استند عليه الناس في تعاملهم مع الفكر الإسلامي، هو القناعة بهذا الفكر، وبالقيم التي جاء بها، وباستمرارية الموج الفكري السليم، الذي كان يغذي العقول والقلوب بالحكمة والرحمة، وبأساليب الخير في التعامل الإنساني المتبادَل.
إذًا على من يهمه الأمر، استيعاب هذا الدرس البليغ، وهو واضح وبسيط لمن يريد أن يفهمه ويستوعبه، عليكم بتقديم الفكرة الصالحة على أساليب القوة، فمن تجارب التاريخ التي أكدت قوة الفكر على السيف، هي التجربة الإسلامية، حيث بدأ الرسول صلى الله عليه وآله بالفكر وليس بالسيف.



