اخر الأخباراوراق المراقب

أبوطالب.. المؤمن القابض على الجمر

محمد علي جواد تقي..

أجمع مؤرخو الأمة دون استثناء على المواقف البطولية لأبي طالب بمناصرة النبي الأكرم”ص” في بدايات إعلانه الدعوة الى الإسلام، بيد أن الانشقاق حصل بعد وفاته، فلم يرُق لبعض المؤرخين ومن يقف خلفهم من الحكام المتمظهرين بالإسلام، أن يوصم آباؤهم في التاريخ بالشرك والنفاق، وأنهم ماتوا وهم كفّار، بينما يكون والد أمير المؤمنين، ذا صفحة بيضاء نقيّة ومشرّفة، فراحوا يروجون لحديث مكذوب على رسول الله بأن أبا طالب “في ضحضاح من نار يغلي دماغه”! وياله من تعبير لا يصطنعه إلا من وترهم سيف علي بن أبي طالب في المعارك الحاسمة.

“رحمك الله يا عمّ، ربّيت صغيراً، وكفلت يتيماً، ونصرت كبيراً، فجزاك الله عنّي وعن الإسلام خير جزاء العاملين المجاهدين في سبيله بأموالهم  وأنفسهم وكل مايملكون”.

بهذه الكلمات المؤلمة نعى رسول الله عمّه وكافله؛ أبو طالب، الذي تمر هذه الأيام ذكرى رحيله في أصعب و أقسى ما شهده الإسلام من ضغوط في بدايات نشوئه، وهو الحصار والتجويع القاتل في شِعب أبي طالب .

تضحية من نوع جديد لنصرة الدين

احتضن أبوطالب، ابن عمه محمدا وهو في سن الثامنة من العمر بعد وفاة جدّه عبدالمطلب، ومن هذه الفترة وحتى وفاته يمكن وصف سنوات مرافقته لعمّه من أحلى وأهم السنوات من عمره الشريف، لأن في ظلها أمضى طفولته وصباه، وخلالها تكونت شخصيته الاجتماعية، ولم يحسّ بمرارة اليُتم بوجود جناح آخر يظلله بالعطف والحنان، وهو زوجة عمّه؛ فاطمة بن أسد، فقد قيّض الله له أسرة عريقة في الأخلاق والفضل، كانا يفضلانه على أبنائهم في كل شيء، حتى إن أبوطالب لم يُطق فراقه لدى رحلاته التجارية الى الشام، فكان يصطحبه معه حتى يكون قريباً منه دائماً.

وعندما جهر النبي الأكرم بدعوته الى الإسلام، كانت هذه الأسرة من أوائل المؤمنين، و كانت فاطمة بنت أسد من أوائل النسوة اللائي آمنّ بالإسلام بعد خديجة، وقد شاع في الأوساط إيمان هذه المرأة العظيمة، فيما بقي ابوطالب يكتم إيمانه، في نفس الوقت محافظاً على خيوط علاقاته الاجتماعية مع رجالات قريش ليتابع بدقة مسيرة الرسالة، وردود الفعل من المجتمع الجاهلي إزاءها، وايضاً؛ ما يمكن ان يتعرض له ابن أخيه من المشركين الذين وجدوا انهم مستهدفون في أعزّ ما يملكونه وهي؛ عقيدتهم الوثنية بنور التوحيد.

كان أبوطالب يقوم بدور غاية في الذكاء والخطورة في آن، فهو ينصر الرسالة السماوية الداعية الى التوحيد وسط أبناء قومه من قبيلة قريش، ومن له معرفة به في مكة، إذ كان يحتفظ بعلاقات اجتماعية واسعة مع الجميع، فكان يسايرهم في الظاهر حاملاً معه الإيمان الراسخ بالله –تعالى- وبكتابه، وايضاً؛ اليقين بظلالة ما يعتقدون به، وكان يرى أمامه الذين يموتون في هذه المواجهة الحاسمة صنفين: من يموت على الإسلام مثل ياسر وسمية، وأمثالهما، أو من يموت كافراً مثل أبوجهل وعتبة وشيبة ونظرائهم، وبعد اندلاع المواجهة بين المشركين والرسالة، و وقوفه الحازم الى جانب ابن أخيه، ربما كان يتوقع تعرضه بما يودي بحياته وهو من الناحية الاجتماعية والظاهرية لم يكن معلناً إسلامه، رغم أنه كان يرد بكل قوة وبسالة على أفعال المشركين المشينة بالنبي بأشدّ ما يكون الردّ، كما حصل مع حادثة أحشاء الشاة التي ألقاها أحدهم على رأس رسول الله وهو يصلي، فانتفض حاملاً سيفه وتلك الاوساخ ثم ألقاها على رؤوس رجال قريش وتحداهم إن اعترض عليه أحد ليضربنه بالسيف.

والالتفاتة المهمة في هذا السياق؛ استثمار ابوطالب العرف الاجتماعي بالحق في الدفاع عن النبي الأكرم كونه ابن أخيه، إذ العرف والتقاليد تقتضي النصرة بين أفرد الأسرة الواحدة والقبيلة الواحدة، فلم يكن يُلام على ردّه العنيف، ونصرته للنبي الأكرم، من زعماء قريش، بل العكس من ذلك، استبدلوا اللوم والاتهام له، بالتوسّط لمحاولة استيعاب النبي الأكرم، وتخلّيه عن أداء الرسالة، لاسيما أن حديث الرسالة الخاتمة، والنبي المبعوث قريباً في الحجاز كان حديث الرهبان والاحبار والعارفين بالأديان والكتب السماوية آنذاك، فكانوا يخشون ان يكون محمداً هو النبي من بينهم ويفضح زيف عقيدتهم، لذا اتخذوا من ابي طالب وسيطاً للتفاوض معه، لاسيما مع أول إعجاز خارق له، وهي؛ آيات القرآن الكريم التي كانت تتنزل عليه من السماء، الواحدة بعد الأخرى حاملة البلاغة الفائقة، والأدب الرفيع، والمضامين السامية التي ألقت الروع في قلوب جميع مشركي مكة والحجاز بأن محمداً ليس رجلاً عادياً، ولذا فعلوا كل شيء لمحاربته والقضاء عليه دون جدوى.

كان موقف أبوطالب أمام زعماء قريش والمجتمع المكّي المشرك محيّراً، فهو لم يُعلن إسلامه مثل عمّار والحمزة وآخرين حتى تكون لهم الحجة بقتله كونه عدواً لهم، ولم ينتفعوا من وجوده كوسيط، بل انتقل في صف المواجهة بتضامنه والدفاع عن الرسول والرسالة، فكان الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق؛ فرض الحصار الاقتصادي المعروف في “شعب ابي طالب” لمدة ثلاث سنوات، تعرض فيها المسلمون، وفيهم رسول الله، وعمّه ابوطالب وخديجة والسيدة الزهراء وسائر المسلمين، الى ظروف عصيبة، ليس اقلها الجوع والحرمان من كل شيء، وكانت فيها نهاية مطاف أبوطالب مع الرسول والرسالة في العام العاشر للمبعث النبوي الشريف، وبوفاة أبي طالب، فقد النبي الأكرم، الحصن الأكبر له أمام سهام المشركين، فكان الفراق مرّاً والخطب فجيع على النبي الأكرم.

من أروع ما تعطينا شخصية ابي طالب، الفارق الكبير بين من يضحي بنفسه وسمعته من أجل الرسالة في معترك الحق والفضيلة، وبين من يضحي بما أوتي من قليل العلم والمعرفة بالتاريخ والحديث فيخطّ بيده ما يرضي السلطان، ويسخط الرحمن، حتى وإن كتاباته تجانب الحقائق الدامغة المتعلقة بإسلام أبي طالب وإيمانه منذ الأيام الأولى لبزوغ فجر الإسلام.

وحتى اللحظات الأخيرة من حياته الشريفة لم يتغير موقف أبي طالب من الرسالة ومن النبي الأكرم قيد أنملة، رغم الوضع المأساوي الذي عاشه المسلمون في “الشعب”، حيث ذكر التاريخ أنهم كانوا يأكلون ورق الأشجار لسدّ جوعهم، فقد بقي صامداً على إيمانه، رغم ادعاءات الموتورين بأنه مات ولم يتلفظ بالشهادتين، وربما تلفظ الشهادتين أكثر من مرة أمام النبي الأكرم، ولكن دون وجود من يشهد بذلك أمام الرأي العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى