عن رصيف بايدن البحري

بقلم: عمرو علان..
أعلن مؤخّراً الرئيس الأمريكي، جو بايدن، عن عزمه على إنشاء رصيفٍ بحريٍ على سواحل غزة، يكون قادراً على استقبال شحنات بحرية كبيرة، تحوي مساعدات إنسانية لسكان القطاع، تشمل الغذاء والدواء ومياهاً صالحة للشرب ومساكن مؤقّتة.
وقد أثار هذا الإعلان جدلاً واسعاً حول نيّة الإدارة الأمريكية وحقيقة دوافعها من وراء هذه الخطوة، نظراً لكون حرب الإبادة التي تتعرّض لها غزة هي في حقيقتها حربٌ أمريكية بالمقام الأول، فكيف يمكن قراءة هذا الإعلان الأمريكي؟ وكيف يمكن الجمع بين تناقضات الموقف الأمريكي الظاهرة في هذه الخطوة؟ وهل ثمّة بُعدٌ آخر في هذه القضية أكثر أهميةً لم ينل حقّه من النقاش والتفكير؟.
لقد جاء الإعلان الأمريكي عن الرصيف البحري “الإنساني” ضمن مسار بدأ في الأسابيع القليلة الماضية، تمثّل بالقيام بعدة إنزالات جوية لمساعدات إنسانية على قطاع غزة بضوء أخضر أمريكي واضح، إضافة إلى ازدياد التباين بين رؤيتي الإدارة الأمريكية وحكومة نتنياهو حول بعض تفاصيل إدارة الحرب، فرغم اتفاق الطرفين على الأهداف الاستراتيجية المرجوّة من العدوان على غزة، إلا أن إخفاق “جيش” الاحتلال في تحقيق أيّ هدف عسكري يذكر بعد أكثر من خمسة شهور على بدء واحدة من أعنف الحملات العسكرية في هذه الحقبة، إن لم تكن بالفعل الأعنف، أدى إلى تزايد الخلافات بين صفوف معسكر الأعداء تجاه أداء “جيش” الاحتلال.
ولعل أبرز ما ظهر من تباين بين الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال في هذا السياق كان ما صرّح به مؤخراً زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأمريكي، تشاك شومر، الداعم التقليدي لكيان الاحتلال، وأرفع مسؤول أمريكي منتخب من أصول يهودية، إذ دعا في الـ 14 من هذا الشهر الكيان إلى إجراء انتخابات جديدة، موجّهاً انتقادات لاذعة لسياسات رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، وطالب بسرعة التوصّل إلى وقف لإطلاق النار وإدخال المساعدات إلى غزة وإتمام عملية تبادل للأسرى.
لم يأتِ هذا السياق المتصل من فراغ، فلقد أمدّ الأمريكي الكيان في حربه بكلّ مقوّمات الانتصار، من جسر جوي عسكري مستمر ودعم استخباراتي ولوجستي، وصولاً إلى منح الكيان، غطاءً أممياً باستخدام حقّ النقض في مجلس الأمن. رغم كلّ ذلك، أخفق “جيش” الاحتلال أمام كتائب القسّام وباقي فصائل المقاومة المسلّحة في غزة، مما جعل الأمريكي يتحمّل في عيون العالم تبعات دعمه لجريمة الإبادة الجماعية الموصوفة، التي يرتكبها الكيان في غزة، من دون عائد ملموس أو أفق واضح للحرب، هذا ناهيك عن الآثار السلبية على القواعد الانتخابية للحزب الديمقراطي بسبب دعم إدارة بايدن غير المحدود لجرائم الكيان التي بدأت بالظهور في استطلاعات الرأي الأمريكية.
لذلك، يبدو أنّ إدارة الرئيس بايدن تسعى لتحقيق أمور عدة من وراء قرارها إنشاء رصيف بحري، من بينها؛ تنظيم حملة علاقات عامة في محاولة لغسل العار الذي لحق بها دولياً جرّاء دعمها الصريح لحرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها الكيان في غزة ضدّ المدنيين، ومن جهة أخرى، محاولة لاستيعاب الغضب الذي بدأ يتزايد بين القواعد الشعبية للحزب الديمقراطي الأمريكي من جراء انحياز إدارة بايدن المفضوح لجانب كيان الاحتلال، في سعي للمحافظة على حظوظ بايدن الانتخابية في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي باتت على الأبواب.
مع ذلك، يبقى القلق الأكبر، الذي يمكن أن يكون ضمن خطط الإدارة الأمريكية من وراء إنشاء هذا الرصيف البحري، من محاولة استغلاله لخلق حالة محلية غزّية تتولّى توزيع المساعدات الإنسانية، بعيداً عن حكومة قطاع غزة ومقاومتها، سعياً للوصول إلى تشكيل صيغة حكم للقطاع خارج سلطة المقاومة الفلسطينية وحركة حماس، ولا سيما أن هذا الهدف يعدّ الهدف الاستراتيجي الأبرز للحرب، الذي صرّح به كيان الاحتلال، والذي عبّر الأمريكي عن تأييده له غير مرة.
لكن ما غاب عن ذهن الأمريكي، أن هدفه الأخير هذا دونه إلحاق هزيمة ماحقة بالمقاومة الفلسطينية المسلّحة، وعلى رأسها كتائب القسّام، بينما واقع الميدان يشير إلى عكس ذلك تماماً، إذ إنّ “جيش” الاحتلال قد قام بكل ما يمكنه فعله من قتل وتدمير وتجويع على مدى 160 يوماً من دون أن يتمكّن من تحقيق أيّ من أهدافه العسكرية التي أعلن عنها في بداية عدوانه، بل لا يبدو بأن عدوانه له أيّ أفق مستقبلي، وذلك باعتراف حتى كثر من قيادات الكيان ذاته.
لا تزال المعطيات حول هذا الرصيف البحري غير مكتملة، لتقديم قراءة متكاملة عن جميع أبعاده، لكن طالما ظلّت المقاومة على صمودها كما هي بالفعل، فلا داعي للهلع مما يخطّط له الأمريكي ومعه كيان الاحتلال، فكما تجاوزت حركة حماس الفخ السياسي الذي حاول الأميركي نصبه لها في إطار “باريس واحد” و”باريس اثنين”، وحوّلته إلى فرصة يمكن البناء عليها للتوصّل إلى وقف لإطلاق النار، فحتماً إن قيادة المقاومة هذه ستستطيع تجاوز ما يخطّط له الأمريكي من وراء إنشاء هذا الرصيف البحري، وتحويله إلى فرصة يمكن البناء عليها، للتخفيف من وطأة الحصار المفروض على سكان قطاع غزة.
أخيراً، يجب ألّا نتجاهل حقيقة كون مجرّد سماح الأمريكي بتنظيم عمليات إنزال جوي لمساعدات إنسانية لسكان القطاع، مع كلّ التحفّظات المشروعة على حجمها وطريقتها، والحديث اليوم عن رصيف بحري لإيصال المساعدات، يعد تراجعاً من قبل العدو في أحد أبعاده، فلو استطاع العدو القضاء على المقاومة المسلّحة الفلسطينية، أو كسر صمود الفلسطيني المتمسّك بأرضه في القطاع رغم المجازر والوضع الإنساني الكارثي الذي يعيشه، لما لجأ إلى هكذا خطط ملتوية للوصول إلى أهدافه، عوضاً عن حسم المعركة عسكرياً.
ففي المحصّلة، المخططات التي تكون مبنيةً على آمالِ وتمنياتِ المخطِّط لا على حقائق الميدان، محكومٌ عليها بالفشل.



