المخطط الأمريكي لاستنزاف غزة معنوياً عبر “المساعدات”

بقلم: السيد شبل..
في العاشر من آذار أعلنت الولايات المتحدة إرسال أول سفينة إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، بهدف معلن يتمثل في “تقديم المساعدات الإنسانية” لقطاع غزة من خلال البحر.
وقالت القيادة المركزية الأميركية إن سفينة “الجنرال فرانك إس بيسون” التابعة للجيش الأميركي غادرت قاعدة لانجلي-يوستيس المشتركة في ولاية فرجينيا بعد أقل من ثلاثة أيام من إعلان جو بايدن أن “بلاده ستبني ميناءً مؤقتاً على ساحل قطاع غزة لإيصال مزيد من المساعدات الإنسانية“.
استقبل الرأي العام العالمي الإعلان الأميركي بمزيدٍ من السخرية، فالجيش الأميركي يُعدّ أهم جهة تقوم بدعم وتوريد السلاح إلى “جيش” الاحتلال، وممثلو الولايات المتحدة في مجلس الأمن لم يدخروا جهداً لتعطيل صدور أي قرار يُفضي إلى وقف الحرب.
بعد سقوط أكثر من 100 ألف فلسطيني ضحية للحرب بين شهيدٍ ومصاب، ثلاثة أرباعهم تقريباً من الأطفال والنساء، تبحث واشنطن عن “أفكار مختلفة” لتمرير المساعدات إلى قطاع غزة عبر الجو والبحر، كأن القطاع لا يملك اتصالاً برياً مع مصر و”إسرائيل”، ويمكن عبر تلك المعابر الحدودية تمرير مختلف أنواع المساعدات!
يفرض العدو الإسرائيلي حصاراً شاملاً على قطاع غزة منذ التاسع من تشرين الأول، ويشمل ذلك منع دخول الغذاء والماء والدواء والوقود والكهرباء، بحسب إعلان وزير الحرب الإسرائيلي يوآف غالانت. وتقول حكومة الاحتلال إن رفع الحصار عن غزة مرتبط بمسألة عودة الإسرائيليين الذين نجحت المقاومة في الحصول عليهم كأسرى خلال عملية طوفان الأقصى.
الأمر الذي فاقم من حدّة الأزمة هو قرار لجنة الدستور والقضاء في الكنيست الإسرائيلي وقف عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس المحتلة. في الوقت ذاته، أوقفت عدة دول، منها الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا، تمويلها للأونروا مؤقتاً، بسبب مزاعم إسرائيلية بأنَّ بعض الموظفين شاركوا في عمليات المقاومة في السابع من أكتوبر باتجاه “مستوطنات” مدن غلاف غزة.
واشنطن واستغلال المأساة
كانت استعادة العرب لثقتهم بذواتهم بعد عملية “طوفان الأقصى” هي أشدّ ما أثار حنق الإدارة الأميركية باعتبارها الراعي الأول لمصالح الاحتلال الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط. لذا، كان المخطط الأميركي هو كسر تلك الروح عبر العمل العسكري العنيف من جهة، وسياسات الحصار والتجويع من جهة أخرى.
تسبب العدوان الإسرائيلي المتواصل لأكثر من خمسة أشهر بإخلاء مئات الآلاف من سكان شمال ووسط قطاع غزة مساكنهم، ونزوحهم باتجاه رفح أقصى جنوب القطاع، أملاً في أن يمنحهم جوار الحدود المصرية بعضاً من الأمان ويردع آلة الموت الإسرائيلية عن حصاد أرواحهم.
في ظلّ تلك الحالة من الموت والقلق والجوع، كانت واشنطن تستعد لإلقاء “قنبلتها الجديدة” في صورة مساعدات. لم تضغط الإدارة الأميركية على “إسرائيل” لرفع الحصار أو وقف الحرب، إنما قررت أن تُلقي المعونات عبر عمليات إنزال جوي، ولم يكن الهدف الأميركي يقتصر على تبييض صفحتها أمام ناشطي حقوق الإنسان الثائرين بسبب دعمها اللامحدود لنتنياهو واليمين المتطرف، إنما كانت للعملية أهداف إضافية أخرى:
أولاً: صناعة حالة من الإرباك للرأي العام العربي، والشروع في النظر إلى قضية فلسطين باعتبارها قضية شعب يعاني الجوع والعطش فحسب، وليست قضية نضال وتحرير بهدف استرداد أرض مسلوبة واستعادة مصير تمت سرقته بواسطة الاحتلال.
ثانياً: إحداث حالة من الفوضى والانهيار الأمني الإضافي داخل مجتمع النازحين ومخيمات اللاجئين، وذلك عند التسابق على المساعدات الملقاة من الطائرات، وخلال عمليات توزيع الإمدادات على المحتاجين، فالأجدر بالقائمين على العملية كان تنظيم عملية الغوث المُقدمة للفلسطينيين داخل قطاع غزة قبل الشروع في تقديم المعونة، لكن يبدو أن الاضطراب الناجم عن تلك العملية كان هدفاً أميركياً مبيّتاً.
حربٌ نفسية بعباءة إنسانية
ظهر مصطلح “الحرب النفسية” للمرة الأولى خلال ثلاثينيات القرن الماضي في كتابٍ للعقيد الألماني “بلاو”، ثم شاع التعبير لاحقاً خلال الحرب العالمية الثانية. ومن بين أهم تعريفات الحرب النفسية في الجيش الأميركي، أنها “استخدام أي وسيلة بهدف التأثير في الروح المعنوية لأي جماعة وفي سلوكها لغرض عسكري معين“.
وهناك نسخة أخرى للبحرية الأميركية، جاء فيها أن المهمة الأساسية للحرب النفسية هي فرض إرادة الولايات المتحدة على إرادة العدو، لغرض التحكم في أعماله بطرق غير عسكرية ووسائل غير الوسائل الاقتصادية.
أحسنت العواصم الغربية استخدام الأساليب المتنوعة للحرب النفسية خلال الصراع مع الاتحاد السوفياتي، حتى إن جرثومة الانهيار والتفكك التي أصابت هذا الكيان العظيم لم تقتصر على الضربات العسكرية التي طالت الأطراف أو تجنيد العملاء، بل بدأت عبر الترويج لصورة الحياة التي يتمتع بها المواطن الغربي الذي يشرب الكوكاكولا ويتناول عشاءه في ماكدونالدز!
يريد الأميركيون خلال شهر رمضان الكريم إيصال رسالة مفادها أن “كل يدٍ للمقاومة ستتطاول على إسرائيل مجدداً ستجلب الجوع والحصار، وأن الحل سيأتي من الطائرات الأميركية، بالضبط كما جاءت منها الصواريخ، وأن المساعدات لن ينالها الفلسطينيون إلا بشق الأنفس واللهث خلف الصناديق التي تحملها المناطيد، وأن ما لم تحققه الحرب سيتحقق عبر الفوضى وكسر الأنفس“.
أهدافٌ توسعية أخرى
لم تتكشف بعد تفاصيل واضحة عن مستقبل الميناء الذي تخطط الولايات المتحدة لإنشائه قبالة سواحل قطاع غزة، وهل يمكن أن يعزز الوجود الأميركي غير الشرعي بالمنطقة؟ وهل يرتبط بشكل أو آخر بمستقبل إدارة قطاع غزة بعد أن تنتهي “إسرائيل” من عمليتها العدوانية؟
خلال هذه الأيام، سيبدأ الجيش الأميركي عملياته لبناء رصيف عائم في البحر المتوسط، في ظل معلومات تشير إلى أن عملية الإنشاء معقدة، إذ يشارك فيها ما يصل إلى ألف جندي أميركي، وقد تستغرق أسابيع عديدة، وأنها تعتمد على تعاطي “إسرائيل” الإيجابي وتعاونها، وهو أمر غير مضمون.
عملية البناء تحصل عبر جمع عدد من القطع بطول 12 متراً يتمّ ربطها معاً لتشكل رصيفاً وجسراً، سيصل طوله إلى نحو 550 متراً، إذ يمكن للسفن الكبيرة تفريغ المواد الغذائية والمعونات، ثم تقوم سفن عسكرية أصغر بنقل تلك المساعدات من الرصيف العائم إلى الجسر المؤقت الذي سيتم دفعه إلى الأرض عند الشاطئ.
حتى الآن، تعلن الإدارة الأميركية أنه لن تكون هناك قوات تابعة لها على الأرض، ومن المرجح أن يشارك حلفاء آخرون ومقاولون ووكالات إغاثة، كما أن حكومة الاحتلال ستتولى “الحفاظ على أمن الميناء وحمايته”، وخصوصاً إذا تعرض الميناء لمحاولة اقتحام من قبل السكان الراغبين في الحصول على الطعام هم في أمسّ الحاجة إليه.
لم يتكشّف المخطط الأميركي المستتر خلف مسألة الميناء العائم، لكن لا شك في أنه ينطوي على أهدافٍ توسعية، ومن المؤكد أن الأيام القادمة ستكون حبلى بالعديد من المستجدات، في ظل تعطّل مسار التفاوض وتلويح العدو الإسرائيلي المتكرر بإمكانية اقتحام رفح.



