اخر الأخبار

إيران والمشـروع الحضـاري الإسلامـي البديـل

قال الإمام الخامنئي خلال اجتماعه بأعضاء اللجنة العليا لـ «مركز الأنموذج الإسلامي الإيراني المتقدم» مطلع الأسبوع الماضي، «إن هدف الثورة الإسلامية هو إرساء دعائم الحضارة الإسلامية..».
ووجّه خلال استقباله لأعضاء اللجنة المذكورة إلى ضرورة تجنب الاعتماد على الأسس الخاطئة وغير المجدية لنماذج التنمية العالمية الحالية، وضرورة تقديم أنموذج إسلامي بديل، معتبرا أن العمل الجهادي والثوري واستثمار الطاقات الغنية والمقدرات المتينة للمصادر الإسلامية والعلمية ونهج الحوار من مستلزمات إنتاج وكتابة الأنموذج الإسلامي المتطوّر.
ما قاله الإمام، يعد بحق قفزة نوعية في مسيرة الثورة الإسلامية، تؤشر إلى أن العقل الإيراني الجبار هو بصدد العمل اليوم على صياغة هذا الأنموذج الحضاري البديل الذي طالما حلمت به الشعوب العربية والإسلامية برغم الانتكاسات الحضارية العديدة والمريرة التي أصيبت بها خلال تاريخها الطويل، ومع ذلك لم تيأس ولم تستسلم ولا تزال تتطلع إلى اليوم الذي يصبح فيه هذا المشروع واقعا قائما على الأرض، لأنه جزء أصيل من عقيدتها الدينية ومخيلتها العقلية وذاكرتها التاريخية..
هذا ما أكّدته ثورات الربيع العربي التي وبرغم فشلها بسبب عدم وجود قيادات ربانية حكيمة تقود المسيرة برؤية سياسية واضحة ومشروع حضاري بديل عن كل المشاريع الكارثية التي خبرتها، سواء مع النماذج الثورية العسكرية الإستبدادية، أو النماذج التقدمية العلمانية المتأثرة بالإيديولوجيات اليسارية «شيوعية واشتراكية»، أو النماذج العلمانية المتأثرة بالنموذج الليبرالي الغربي المتوحش، أو النماذج الأصولية الرجعية المتخلفة العميلة للقوى الأجنبية والتي ليس لها من الإسلام غير التسمية كما هو حال مهلكة «السعودية» على سبيل المثال لا الحصر.
هذا الواقع هو الذي دفع بالشعوب العربية بعد الثورة للرهان على الإسلام السياسي، فرأينا كيف أن الشعوب في المغرب وتونس ومصر مثلا، صوتت بكثافة لتيارات الإسلام السياسي، اعتقادا منها أن هذه الفئة «المؤمنة» سيكون بمقدورها إخراجها من مآزقها المستعصية وإنقاذها من أزماتها المركبة، والعبور بها نحو بر الأمان حيث تستطيع تحقيق ذاتها وإقامة مشروعها الذي يحقق رفاهيتها في الدنيا وسعادتها في الآخرة، لإيمانها الراسخ باستحالة التفريق بين الدين والسياسة، بين الدنيا والآخرة، باعتبار العاجلة مجرد قنطرة للعبور نحو محطة الآجلة النهائية الخالدة، وهو ما لا يعني خضوع الدين للسياسة بقدر ما يعني سمو الدين عن مستنقع السياسة وتبوّئه المكانة التي تمكّنه من مراقبة وتوجيه العمل السياسي كي لا يخرج عن الثوابت والمبادئ القرآنية وينفلت من عقال الأخلاق المحمدية والإنسانية النبيلة.
الإمام الخامنئي خلال اللقاء المشار إليه أعلاه، استعرض بعجالة المراحل الخمس لتحقيق أهداف الثورة الإسلامية الشاملة وعلاقتها بالأنموذج الإسلامي البديـل، والتي يمكن إيجازها كما يلي:
– المرحلة الأولى: بلورة الثورة الشعبية الإسلامية بزعامة الإمام الخميني (ره)، ونجاحه في إسقاط نظام الشاه الاستبدادي الفاسد والعميل بأسلوب سلمي، وهذه مقدمة كان لا بد منها لتحضير الأرضية الطيبة والمناسبة للزرع الجديد، لأن التغيير الحقيقي لا يتم من خلال عمليات الإصلاح والترقيع لبناء مهترئ آيل للسقوط لا محالة ولو بعد حين، لأن عمليات التجميل قد تغير الشكل إلى حين، لكن الجوهر يظل فاسدا ما بقي النظام الظالم العميل قائما.
– المرحلة الثانية: تشكيل نظام سياسي إسلامي شامل لدولة المؤسسات والقانون، ويعود الفضل في وضع أسس الحكم الرشيد القائم اليوم في إيران إلى رؤية الإمام الخميني (ره)، حيث عرف كيف يزاوج بين الديني والدنيوي، بين المصالح العليا للأمة الإيرانية المتمثلة في الدولة وحقوق الأقليات للحفاظ على الخصوصية الدينية والتنوع الثقافي، وضمان المساواة في الحقوق والواجبات تحت مظلة الإمامة أو ما أصبح يعرف بـ «ولاية الفقيه»، والتي تعطي الإمام دور المرشد والموجّه والحكم، باعتباره رمز الأمة الإيرانية، بالإضافة إلى قيادة الجيش الحامي للبلاد والحرس الثوري المؤتمن على ثوابت ومبادئ الثورة الإسلامية..
هذا النموذج السياسي الراقي يسمو بالدين فوق السياسة فلا يخضع لها، وفي نفس الوقت لا يتحكم في عمل المؤسسات، لكنه لا يسمح للسلطات التنفيذية باستغلال الدين كأداة لتحقيق أهداف سياسية انتهازية، وهذا هو التوازن المطلوب في العمل السياسي الناجح الذي يجب أن يخضع حكما لمعايير القيم والأخلاق في تحقيق المصالح حتى لا تفسد الأرض، وهو عكس النموذج السائد اليوم في الغرب والعالم العربي أيضا، ما أدى إلى حالة الانحطاط التي تعيشها الأمة اليوم من مغربها إلى مشرقها.
– المرحلة الثالثة: تشكيل حكومة إسلامية منتخبة من الشعب لتنفيذ المشروع الإسلامي المتكامل، والذي تمت صياغته على أساس النماذج والمعايير القرآنية والأخلاق المحمدية والحضارة الإسلامية الأصيلة، وهي مرحلة النهضة الشاملة التي تعيشها إيران اليوم في كل المجالات للعبور إلى المرحلة الرابعة التي تليها.وفي هذا الباب، تجدر الإشارة إلى أن الإمام ورجال الدولة في إيران لم يستحضروا نموذجا سياسيا إسلاميا من ثلاجة التاريخ من باب التقليد ليطبقوه في بلادهم كما يحاول ذلك تجار الإسلام السياسي اليوم، بل اجترحوا أنموذجا جديدا لا سابقة له في التاريخ الإسلامي، لأنهم وضعوا كل التجارب السابقة موضع شك وتفكيك وتمحيص وتحليل، فرفضوا التقليد، والتزموا بمعايير دينية تعد من ثوابت القرآن بعيدا عن مفهوم تاريخانية النص التي يقول بها العلمانيون المستلبون، وأخذوا بمقاييس العلم والتكنولوجيا وأسس المعرفة القديمة والحديثة للانخراط في تاريخ الزمن الكوني الحديث من أجل العبور نحو المستقبل المشرق الجميل، الأمر الذي مكنهم من اجتراح المعجزات في كل مجالات التنمية والتقدم، فأصبح الطريق نحو القمة سالكا أمامهم اليوم دون عقبات كأداء تذكر بعد أن امتلك الشعب الإيراني ناصية البحث العلمي وأصبح يسابق الأمم المتطورة في هذا المجال.
– المرحلة الرابعة: تشكيل المجتمع الإسلامي القوي والمتجانس، وفتح باب الحوار ليختار المجتمع الإيراني بحرية ووعي ومسؤولية نمط وأسلوب الحياة الإسلامية التي يرغب فيها، ليعيش منسجما مع قناعاته الدينية وتطلعاته الدنيوية بما يؤمن له الرفاهية في العاجلة والسعادة في الآخرة.
وهذه قمة الديمقراطية، بحيث يستطيع الشعب الإيراني من خلال المناقشة والحوار المشاركة الإيجابية في وضع تصور لنمط وأسلوب الحياة التي يريد أن يعيشها، من دون تفريط في قيمه الدينية والثقافية، ليجترح لنفسه أنموذجا حضاريا جديدا راقيا مفعما بالحرية والأمن والسلام والرفاهية، وبدل مزيد من التضحية والعطاء والمبادرة الفردية والجماعية لتحقيق الذات في العمل الصالح الذي ينفع الناس، بوصفه الجواز المعتمد من رب العالمين للعبور الآمن والمضمون إلى حياة النعيم الدائم المقيم.
– المرحلة الخامسة: والتي تعد الهدف الغائي من مراحل الثورة الإسلامية الأربعة، ويتمثل في إرساء دعائم الحضارة الإسلامية التي لا تعني توسيع النفوذ بفتح البلدان بالقوة العسكرية كما حصل في التاريخ الإسلامي تحت مسمى «الغزوات» أو «الفتوحات»، والتي كان محركها الحقيقي «الغنائم» كما أكدت دراسات التاريخ النقدية، لأن الله أمر رسوله بنشر الإسلام بالكلمة الطيبة والقدوة الحسنة لا بحد السيف والقهر والإجبار.. وبهذا المعنى، فإن إرساء دعائم الحضارة الإسلامية المتقدمة الجديدة، تعني حصرا وتحديدا تأثر الشعوب العربية والإسلامية فكريا بالإسلام المحمدي الصحيح، وهو الأنموذج الحضاري الفكري والتنموي البديل الذي تعمل على إقامته الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم، من منطلق أن الثورة الإسلامية هي ثورة شاملة وجامعة، لا مذهبية ولا عرقية، لا شرقية ولا غربية، وبالقطع هي ليست طائفية أو مذهبية كما قد يقول بعض المتحاملين على كل ما هو إسلامي أصيل وجميل، كي لا تقوم للأمة قائمة فتظل أبد الدهر تعيش تحت القمع والقهر، وتشعر بالذل والإهانة وانعدام الكرامة، فلا تحقق بالتالي ذاتها.
ما من شك أن تجربة الثورة الإيرانية بمقاييس التطور الحضاري الإنساني تعد ثورة فتية، لكنها نجحت في تحقيق قفزات عملاقة ونوعية في عديد مجالات العلوم والتكنولوجيا والمعرفة، كما في السياسة والاجتماع والفكر والثقافة، برغم معاداة الحكومات الغربية والعربية لها، وبرغم الحرب العدوانية التي فرضت عليها لوأدها في مهدها، وبرغم الحصار الظالم الذي حاول الغرب من خلاله تعطيل مسيرتها الناجحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى