أمريكا وحل الدولتين على الطريقة الهندية

بقلم/ محمد جرادات..
يتحرك الأمريكي في محاولة إنعاش مفهوم حل الدولتين للصراع العربي الإسرائيلي على أرضية خبرة عريقة في التعامل مع هذا المفهوم. وهنا، لا يقتصر الأمر على التلاعب الأمريكي في الملعب الفلسطيني منذ النقاط العشر عام 1974، مروراً بمؤتمر مدريد 1991، حتى اتفاقية أوسلو 1993، وما تمخض عنها من بحث عن حلقة مفقودة لا يزال الساسة يلهثون خلفها بلا طائل.
الخبرة الأمريكية في حل الدولتين تنطلق بالأساس من 28 اتفاقية وقعتها مع الهنود الحمر لإقامة دولة هندية في أمريكا، وهم سكان أمريكا الأصليون، حتى انتهى الأمر بإبادتهم بعد اتفاقية “نورت بيت” التي تشبه ما جاء في اتفاقية أوسلو. والعجب أن يقوم الأمريكيون الأوائل بقتل الزعيم الهندي وايت إيز بالسم في حالة تشبه كثيراً شكل نهاية الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات.
وكلما وقُعت اتفاقية مع الهنود خرقها الأمريكي سريعاً، واجتاح عسكرياً واستوطن المنطقة التي خضعت للاتفاق. وعندما كان الهنود يحتجون، كان الأميركي يطلب مفاوضات جديدة وإرسال وفد جديد للتفاوض وتوقيع اتفاقيات جديدة يتم خرقها. وهكذا إلى أن استوطن الأمريكيون كل الأراضي وبالقوة، ولم يبق ما يتم التفاوض بشأنه، لتتوقف المفاوضات منذ أكثر من 200 عام ويتبدد الهنود الحمر.
تأتي اليوم عملية إنعاش حل الدولتين أمريكياً بعد فشل صفقة القرن التي روّجها الزعيم الأمريكي السابق دونالد ترامب، والتي خلّفت محاولات محمومة للتطبيع، أبرزها مع السعودية.
جاءت المواجهات المتصاعدة في الضفة الغربية وما وازاها من حروب على غزة ليحاول بايدن احتواءها بالخبث الأمريكي المعهود، حتى وقعت واقعة السابع من أكتوبر، وتدفق طوفان الأقصى، لينخرط الأمريكي بالحرب على غزة بشكل كلي لم يسبق له مثيل. وفي موازاة ذلك، بدأ يروج لحل الدولتين في ظل تصاعد هذه الحرب. وقد تحولت إلى إبادة جماعية للبشر والحجر والشجر في غزة.
ركز الأمريكي مشروعه السياسي الراهن ضمن مسار احتواء تداعيات الحرب على غزة. وقد تجاوزت حالة رد الفعل على نجاح المقاومة في العصف بالنسيج العصبي لـ”إسرائيل” لما هو حرب وحشية شمولية يشارك فيها الغرب بكل قواه من دون تردد، برغم الاستدارة الأوروبية والأممية اللاحقة، على وقع الهجمات الإسرائيلية على المشافي والمدارس وسفك دماء الأطفال والنساء بعشرات الآلاف، وتحويل غزة إلى ركام هو الأول من نوعه منذ الحرب العالمية.
لا يختلف الأسلوب الأمريكي السياسي في التعامل مع مفهوم التسوية لهذا الصراع عن أساليبه القديمة في خبرته الضليعة مع ضحيته الهندية. وقد ظل يجرجرها حتى أجهز على الروح فيها سوى بعض الارتباك الذي خلّفته واقعة السابع من أكتوبر، وهو ارتباك مرده لطبيعة العقيدة السياسية للمقاومة، وهوية تحالفاتها الميدانية من طهران وصنعاء حتى بيروت، ولا يتجاوز ما صرح به بعض قادة حماس من قبول لدولة فلسطينية مستقلة ما صدر عن مؤسسهم الشيخ الشهيد أحمد ياسين منذ أكثر من 3 عقود دون جديد، وهو قبول يصطدم بحائط الحرمة الشرعية والعقائدية للاعتراف بأية شرعية للكيان الإسرائيلي، وهي حرمة تعلنها حماس من دون أدنى مواربة.
حرمة الاعتراف بـ”إسرائيل” تتفق عليها كل قوى محور المقاومة، وخصوصاً حركة الجهاد الإسلامي، التي تقاتل في طوفان الأقصى كفصيل ثانٍ بقوة تلفت النظر، لكونها خرجت من حروب عدة متلاحقة تعرضت لها تباعاً خلال السنوات الثلاث الماضية، وهي ترفض مبدأ التسوية، بما فيها القبول السياسي بدولة فلسطينية مستقلة، باعتبار ذلك تسويغاً لمبدأ التسوية، على أرضية ما سبق أن بلوره المؤسس الشهيد فتحي الشقاقي من رؤية فكرية استراتيجية باستحالة جيوسياسية لوجود دولتين بين نهر الأردن والبحر المتوسط.
هذه الاستحالة الجيوسياسية لحل الدولتين عبّر عنها رئيس حكومة الكيان الإسرائيلي بيبي نتنياهو عقب إعلان الرئيس الأمريكي بايدن اتفاقه معه على مبدأ إقامة دولة فلسطينية بجوار “دولة إسرائيل”، وإن ليس بالضرورة أن تكون دولة بجيش عسكري، ليخرج نتنياهو عقب ذلك، مؤكداً استحالة ضم غور الأردن إلى دولة كهذه، وهو ما يعوق في رأيه وجودها من الأساس، حتى استقر الأمر أخيراً على التصويت داخل حكومة الكيان برفض إقامة دولة فلسطينية.
استقر المسعى الأمريكي في المحاولة الأمريكية المتجددة نحو حل الدولتين لتراود أحلام دول التطبيع من دون نجاح الأمريكي حتى في إيجاد حل حقيقي لأموال مقاصة الضرائب الفلسطينية، ولا في القدرة على إعادة تجديد السلطة الفلسطينية للإجابة عن السؤال الافتراضي لليوم التالي لوقف الحرب، وهو بالأساس سؤال إسرائيلي داخلي يلهث خلفه الأمريكي، ومعه منظومة التطبيع، على اعتبار قدرة “إسرائيل “على تحقيق أهداف الحرب بالقضاء على المقاومة عسكرياً وسياسياً.
ليس ثمة أفق لنهاية وشيكة للحرب، فلا نتنياهو يمكنه الاعتراف بفشل حربه الطائشة، ولا المقاومة يمكنها الاستسلام بحال، والأمريكي تيقن منذ شهرين انسداد أفق الحرب، وأن الإسرائيلي عاجز في متاهة أطماع نتنياهو الشخصية. لذا، يحاول حماية “إسرائيل” من نفسها، عبر محاولة وقف الحرب على أرضية إطلاق مشروع سياسي يراد منه أن تتآكل إنجازات المقاومة، فما عجزت عنه الميركافا الإسرائيلية يمكن تحقيقه بدبلوماسية كيسنجر التي تم تجريبها في تشرين الاول 1973، ولكن الكيان غارق في تناقضاته، وهو يتأرجح كالثور الجريح على وقع صدمة السابع من أكتوبر.
يجهل الأمريكي، أن الكيان الإسرائيلي دخل في مرحلة ما بعد التغلب اليميني على القضاء، وإن ألغته محكمته العليا، ولكن تبعاته خلّفت ندوباً عميقة في المجتمع أفقياً وعمودياً، وهو لا يستطيع الخروج من أتون الحرب على غزة، مع تفرعها إلى مواجهات قد تتطور إلى حروب أخرى، وخصوصاً مع لبنان، مع تصاعد مواجهات الضفة وعنف المستوطنين، بما يحول دون نجاح الأمريكي في مساره السياسي الجديد، في ظل استعصاء المقاومة وتوسع أفقها على امتداد البحر والبر.



