إذا قال الرئيس الأمريكي.. فلا تصدقوه

بقلم: اسيا العتروس..
لو كان بالإمكان اخضاع الرئيس الأمريكي لجهاز كشف الكذب، لأمكن كشف ما يضمره من وراء تصريحاته الأخيرة بشأن العدوان الاسرائيلي الهمجي على غزة… إذ وبعد مائة وخمس وعشرين يوما من الابادة الجماعية والدمار والخراب بدعم وتمويل من الغرب وتحديدا أمريكا وبعد اصرار الرئيس بايدن بدل المرة مرات على حق اسرائيل في الدفاع عن النفس بكل الطرق المتاحة وبعد انتقاله الى تل ابيب للإعلان “انه لو لم توجد اسرائيل لأوجدها” خرج معلنا، ان الرد الاسرائيلي تجاوز كل الحدود، وانه حاول اقناع الرئيس المصري السيسي بفتح معبر رفح لإدخال المساعدات.
تصريحات بايدن التي تأتي على وقع حصيلة غير مسبوقة من جرائم الحرب في غزة، لا يمكن باي حال من الأحوال ان تؤخذ مأخذ الجد لاعتبارات عدة.
وهناك سبب من شأنه ان يجعل تصريحات الرئيس الامريكي جو بايدن بشأن العدوان الاسرائيلي على غزة مجرد كلمات لا معنى لها، ولا ترقى الى الموقف الذي يتعين على الدولة الأقوى في العالم والحليف الأكبر لإسرائيل اتخاذه لإيقاف العدوان الذي يوشك ان يزيل غزة من الخارطة.
طبعا هذا الكلام ليس مرتبطاً بما طغى على الرئيس الامريكي في الفترة الاخيرة من فقدان للتركيز وغياب الذاكرة في أكثر من مناسبة أمام الكاميرا ولا أيضا بما ورد في تقرير المدّعي الخاص المكلّف التحقيق في طريقة تعامل الرئيس جو بايدن مع وثائق سريّة، بعدم ملاحقته بسبب التقدم في السن وضعف ذاكرته وهي جميعها يمكن ان تتنزل في إطار الحرب الانتخابية الداخلية المسعورة المرتبطة بسباق البيت الابيض بين بايدن وخصمه الجمهوري ترامب وكلاهما وجب التأكيد على انهما وجهان لعملة واحدة عندما يتعلق الأمر بتبني السردية الاسرائيلية ودعم جرائم الاحتلال والتفاني في تقديم المساعدات العسكرية للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة مقابل الاستهانة بحق الشعب الفلسطيني في الكرامة والحرية والنضال ضد الاحتلال والاستخفاف بقيمة حياة الانسان الفلسطيني والدم الفلسطيني.
ولو اننا حاولنا رصد تصريحات ترامب وبايدن في هذا الشأن لأمكن وضع موسوعة في الغرض والأكيد انه في زمن التكنولوجيا الحديثة سيكون بالإمكان استحضار هذه التصريحات قولا وما تلاها فعلا على أرض الواقع بما لا يدع مجالا للشك، بأن الدور الامريكي في هذه الحرب يتجاوز مرحلة التواطؤ الى الشراكة في ارتكاب المجازر التي تحمل توقيع آلة الحرب الامريكية من صواريخ وأسلحة محرمة دولية وقنابل فوسفورية.
ولا شك ان الحديث أيضا عن خلافات بين واشنطن وتل ابيب بسبب رفض حكومة نتنياهو قبول التهدئة وايقاف الحرب ومهما كان حجم هذا الخلاف فانه ليس أكثر من تسويق اعلامي بأن الادارة الأمريكية بدأت تراجع موقفها من الحرب، لان الحقيقة ان الأمر لا يتعلق بمراجعة هذا الموقف ولا أيضا بالضغط لإيقاف الحرب فصفقات السلاح لا تزال قادمة الى اسرائيل وما سبقها من تصريحات المسؤولين الأمريكيين لم يكن دعوة لإيقاف القصف بل دعوة لانتقاء الاهداف ومحاولة تجنب المدنيين قدر الامكان وهي أيضا دعوة تتنزل في اطار الاستخفاف بالعقول لأنه لا يمكن والحال على ما هو عليه من خراب ودمار وفناء في غزة تجنيب المدنيين ويلات القصف.. وقد تابع العالم فصولا يومية من العدوان، استهدفت البيوت والمدارس والمساجد والكنائس والمستشفيات وسيارات الإسعاف، وحولت جيلا بأكمله من الشباب والأطفال جيل الأطراف المبتورة.
الحديث ايضا عن عقد نتنياهو وبلينكن مؤتمرين صحفيين منفصلين خلال زيارته الأخيرة الى المنطقة لا يعني بأي حال من الأحوال، ان الخلافات بلغت نقطة اللاعودة، وأن الادارة الامريكية انتبهت اخيرا الى خطورة المرحلة والى ضرورة ايقاف الحرب والاعتراف بالحق الفلسطيني في البقاء.
تصريحات بايدن الاخيرة بشأن الرد الاسرائيلي تجاوز الحدود، ان هناك الكثير من الابرياء يموتون لا يمكن اعتباره نقطة تحول حاسمة في الموقف الأمريكي.. وهي مراوغة سياسية فاشلة، ولا يمكن ان تلغي ما سبق من المواقف الامريكية المفضوحة في دعمها الأعمى للاحتلال.
ندرك جيدا ان الوقت ينفد أمام الرئيس الأمريكي الذي يأمل في الفوز في الانتخابات القادمة ونسف طموحات غريمه ترامب الذي بدأ يتقدم في السباق التمهيدي للبيت الأبيض.. يدرك بايدن جيدا ان ما قدمه فريق دفاع جنوب افريقيا أمام العدل الدولية لا يوجه اصابع الاتهام لاسرائيل وحدها، ولكن ايضا لشركائها في جرائم الابادة الموثقة ويدرك ايضا ان الرأي العام الأمريكي والدولي استشعر مخاطر وتداعيات الاستمرار في نفي وانكار حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن النفس واستشعر أيضا انعكاسات الانتصار للجلاد وتحميل الضحية مسؤولية ما يجري من ظلم امتد طوال عقود.
لا خيار أمام الرئيس بايدن ان كان معنياً بمصداقيته ومكانته في سجل التاريخ أو يريد فعلا الرد على التقارير الطبية بالزهايمر السياسي سوى اسقاط الفيتو الذي يلوّح به في مجلس الأمن لمنع قرار ايقاف الحرب وايقاف مد اسرائيل بكل أنواع السلاح والتعجيل بالاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.. وعدا ذلك فكل تصريحات بايدن ومعه وزير خارجيته بلينكن، مجرد مسكنات ومهدئات لتخدير العقول وتحويل الأنظار عن حقيقة الاحتلال الاسرائيلي الصهيوني الذي ترتقي جرائمه الى جرائم النازيين. والأكيد ان الفلسطينيين لديهم من الفطنة ما يؤهلهم للتمييز بين كذب السياسيين أو صدقهم.. وحتى هذه المرحلة فان بايدن وجماعته لا يحتاجون حتى لإخضاعهم الى أجهزة كشف الكذب لقراءة أبعاد وأهداف هذه التصريحات.



