اخر الأخبارثقافية

“أعوام الذئب”.. رواية عن مخلفات الاحتلال الأمريكي بلغة شعرية

المراقب الثقافي/ القسم الثقافي…

يعد حميد المختار، واحداً من الروائيين الذين ظهرت كتاباتهم منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، وقد كتب العديد من الروايات، على الرغم من كونه بدأ شاعراً لكنه وجد في الرواية عالمه الذي يبحث عنه، ورواية “أعوام الذئب” من أهم ما نشره خلال السنوات الأخيرة، وقد كتب عنها العديد من القراءات النقدية، ومنها هذه القراءة للناقد يوسف عبود جويعد التي تنشرها “المراقب العراقي”.

تأخذنا رواية (أعوام الذئب) للروائي حميد المختار، وهي من إصدارات دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر والتوزيع في العراق، إلى محاور متعددة، وطرق تختلف اتجاهاتها، ومحاور تغوص في الأعماق، وتخرج إلى سطح السرد، وتطوف العالم، إنها مدونة حياتية كبيرة, يفرشها الروائي ويمهد إلى أحداثها, لندخل أعوام الذئب عبر المبنى الميتا سردي, الذي يعثر عليه الطبيب المقيم, الذي يصل بعد نهاية المطاف إلى المصحة الكبيرة للمصدورين، مرضى (السل)، إذ إن حريقاً نشب داخل المصحة, بسبب مزاح أحد النزلاء مع زملائه, كونه يحمل قداحة لإشعال السكائر, إلا أنه كان يستخدمها لحرق الشعر في  أرجل أصدقائه المتذمرين من هذا المزاح, وهذا الحريق أودى بحياة جميع النزلاء, إلا نزيلاً واحداً هو كاتب هذه المدونة.

ان الروائي أمسك بخيوط نسيج الرواية من كل أركانها, وحاكها وهو يمحور تلك الزوايا, ويصقلها, ليجعل منها نصاً سردياً روائياً, وكأنه يذكرنا بكل ما حدث في البلاد, بل في أرجاء المعمورة, وبهذا فأن الروائي يثبت لنا من خلال روايته, أن صنعة الرواية, بإمكانها أن تسع الكرة الأرضية, فأن بطل الرواية قريب إلى حد بعيد من الروائي كونه كاتباً, وإنه يحمل هماً ينوء به, بعد فراق أصدقائه في المصحة, فضلا عن أصدقائه خارج المصحة, وحكاية جوانة, وأختها (نازا) التي ماتت بسبب أنها سحقت لغماً في منطقتها الجبلية المزروعة بالألغام”.

إن الأحداث الظاهرة شكلت لدى بطل الرواية، حالة من الهم الثقيل، الذي جعله يكتب بنفس مكثف وبلغة سردية شعرية مفعمة بالرموز والدلالات والإيحاءات والاستعارات التي تحتاج إلى شرح، فجعل لمتن النص السردي الرئيسي هامشا, هو بحد ذاته رواية أو مبنى ميتا سردياً آخر, وكانا يسيران بخطين متوازيين, فكان الفضاء السردي يعبق بلغة سردية تميل إلى الصورة الحلمية تارة, والى الخيال تارة أخرى, إلا أنها لم تطفُ على السطح بل أنها تخرج من الأعماق، فتشكل وصفاً روحياً فنجد تداخل الحكايات والأحداث مع بعضها عبر هذا النسيج الذي يميل إلى الواقعية الغرائبية, حكاية جوانا, حكاية نازا, حكاية المصحة, حكاية الكاتب, حكاية الشيخ الجليل الذي أخذ مساحة واسعة من الفضاء السردي, إذ يلتقيه عندما كان يزور المقبرة, وكان يعيش في غرفة وحده لأربعين يوماً, وهذا الشيخ الجليل أحدث انقلاباً وثورة كبيرة، واستطاع أن ينقذه من براثن الوحش, ثم تلتف تلك الأحداث بعد استعراض كبير ومرور للحقب الزمنية, وحادثة مقتل هذا الشيخ الجليل مع ولديه, ثم الطواف في الملكوت الآخر عالم الأموات, حيث يلتقي هذا الشيخ الجليل الذي أحدث انقلابا كبيرا في حياة البلد, وغير مسارها وثقافتها, وأخرج المواطن من العبودية إلى الحرية, وكانت تداعيات الكاتب وسط العالم الآخر تميل إلى الجلالة والقدسية, وكذلك يلتقي بأصدقائه الأموات, وبعصفورته كما كان يسميها (نازا), إلا أن هذا الطواف لم يكن سرداً تقليداً, بل إنه عالم مفعم بالحس الشاعري وباللغة البليغة التي تحتاج إلى تفسير هوامشه التي ظلت ترافق المبنى السردي طيلة مسار أحداث الرواية, وهو بذلك يقدم حالة من حالات التجديد في صناعة الرواية, لأن عالمها كبير وواسع.

إن الأحداث تتشعب وتتشظى وتنطلق إلى كل الاتجاهات, عالم السياسة, عالم الدين, حياة البلد وتقلباتها المرعبة, كما إنه أكد من خلال المسيرة السردية بأن الخراب بدأ منذ حادثة (11) أيلول, وإن الاحتلال الأمريكي كان السبب الرئيس في خراب البلد, ووصف ذلك بمخطط يشير إلى تلك الحادثة, وإن الكاتب أو بطل الرواية شاهد عيان لكل هذه الكوارث, وقد أشار الروائي في مستهل روايته إلى المنحى الذي نحت إليه الرواية (شخصيات هذه الرواية من صنع الخيال وأي تشابه بينها وبين الواقع المعاش مقصود تماماً, وحين يفك القارئ الكريم رموز التورية، سيكتشف بكل بساطة المكان الحقيقي للأحداث والمدخل الثاني هو فصل بمثابة تمهيد, وهذا يؤكد للقارئ أن هذا العمل الروائي، لم يكتب لأغراض التسلية, بل إنه حياة طويلة واسعة متشعبة تحتاج إلى قدرة استيعابية كبيرة, وإن عناوين الفصول لم تكن بسياقها الاعتيادي كونها اختزالاً لواقع الحركة السردية ولكن برمزية عالية وبلغة شعرية مكثفة.

إنّ رواية (أعوام الذئب) للروائي حميد المختار, ثوب جديد غير متناول، يؤكد قدرة الروائي العراقي على مواكبة حركة التجديد والتجريب والحداثة في العالم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى