العقيلة زينب “ع”.. لسان الثورة الحسينية

لم تخلُ مجالس العزاء التي يقيمها اتباع اهل البيت في مشارق الارض ومغاربها من ذكر العقيلة زينب، تلك السيدة التي لم يُرَ لها ظل قط، حبيبة ابيها ونور عين اخوتها، التي انتهى بها الحال سبية تُضرب بالسياط، وتسبى من كربلاء الى الشام، بعد ان كان العباس سلام الله عليه، حامل لوائها وكافل خدرها، ذلك بعد تآمر بني امية على الامام الحسين عليه السلام، وقتله مع عياله واصحابه وابنائه، وأخذوا نساءه سبايا.
تكفلت السيدة زينب سلام الله عليها، بحمل ثقيل بعد استشهاد جميع اخوتها في معركة الطف الاليمة، فبعد ان كانت عزيزة العباس سلام الله عليه، اصبحت هي كافلة الايتام وهم يصرخون ويلوذون بها خوفا من سياط وسيوف بنو امية.
السيدة العظيمة، عقيلة بني هاشم، ثالث ريحانة للمصطفى تفوح في بيت علي، وأول حفيدة للنبي أنجبتها الزهراء، غمرت بيت الوحي الفرحة بمولدها، ورافقت حياتها الدمعة حتى فاضت روحها الطاهرة إلى بارئها، أشرق نورها في السنة الخامسة من هجرة جدها، وغابت شمسها في السنة الخامسة والستين.
وعت منذ طفولتها على فاجعة وفاة جدها (صلى الله عليه وآله)، ثم شهدت مأساة أمها (صلوات الله عليها)، ثم شهادة أبيها (عليه السلام)، ثم رأت أخاها الحسن (عليه السلام) وهو يودّع الدنيا مسموماً شهيداً، وأخيراً ختمت حياتها وهي تشاهد مقتل أخيها سيد الشهداء (عليه السلام)، ومقتل إخوتها وبني عمومتها وأبنائهم في كربلاء.
شهدت يوم عاشوراء، وعاشته بكل تفاصيله الدامية، والذي فقدت فيه إخوتها وولديها وبني عمومتها وأهل بيتها، فلم تزعزعها كل هذه النكبات، ووقفت كالطود الأشم وهي تجمع بنات الوحي وربائب الرسالة وهنّ يبكينَ وينحنَ ويندبنَ ويلذنَ بها ممَّا دهاهنّ، وتجمّع حولها النساء والأطفال وهم يبكون ويصرخون وقد أصبحوا الآن ثكالى وأرامل ويتامى.
أما هي.. فقد كان وجهها يفيض بالطمأنينة واليقين رغم الحزن الشديد، وكأنها لم ترَ كل هذه المآسي والفواجع !!نهضت وراحت تخطو وسط الجيش إلى حيث جسد الحسين ..! حتى الذي لم يعرفها رأى في مشيتها صفات علي فأخذته الرهبة وتراجع، أكملت زينب مشيها حتى وقفت على جسد أخيها فجلست ورفعت رأس الحسين بيدها ووضعته في حجرها واستقبلت السماء وقالت:
ــ اللهم تقبل منا هذا القربان
ها هي القافلة التي جاءت معها هي وبنات الحسين (عليه السلام) وأخواته ونساؤه من المدينة إلى كربلاء عزيزات كريمات تعود بهن إلى الكوفة وهن أسيرات مسبيات مع النساء والأطفال فقط، وها هم رجال القافلة على الأرض صرعى وها هي رؤوسهم أمامهنَّ فوق الرماح، وسارت القافلة وسط صياح القتلة وسياطهم وهم يصعّدون الأطفال والنساء على الإبل بالعنف والقسوة، ولكن نظرها وأنظار النساء لم تفارق جسد الحسين (عليه السلام) حتى غاب عنهنَّ فاختنقنَ بعبرتهنَّ والدموعُ ملء عيونهنَّ.
خطبت السيدة زينب خطبتها الخالدة، والتي شابهت كلام أبيها سيد البلغاء والمتكلمين، فقرعت بخطبتها رؤوس أهل الكوفة بالتقريع واللوم على قتلهم سيد شباب أهل الجنة وخذلانه ورجوعهم إلى الجاهلية الأولى بنسختها الأموية.
فانطلق صوت زينب ليدحض أكاذيب الأمويين وإعلامهم الضَّال المُضلّ ويؤكد للرأي العام أن هذه الثورة هي تجسيد للإسلام المحمدي وامتداد لمنهج النبي (صلى الله عليه وآله) في كل المراحل التي مرت بها (عليها السلام) في رحلة الأسر.
وأول صوت لها كان في الكوفة من خلال خطبتها العظيمة التي بيّنت فيها بشاعة الجريمة النكراء التي ارتكبها الأمويون بقتلهم سبط رسول الله وغدر أهل الكوفة به وفيها من التقريع لهم ما أجَّجَ في النفوس مشاعر السخط والغضب على يزيد وكان مما قالته في ذلك اليوم وقد أومأت الى الناس أن اسكتوا.
كانت زينب لسان الثورة الحسينية وصرخة وآهة في مسمع الدهر لن يخفت صداها فكان لخطبها وكلماتها أثرهما العميق ودلالتهما الواضحة بأن كربلاء باقية مع تعاقب الأزمان، وأن النهضة الحسينية المباركة ستبقى خالدة في الأجيال، فقد عكس دورها مبادئ الثورة الحسينية وفضح جرائم الأمويين.
فكانت خطبها هي وسيلة إعلام الثورة الحسينية الضخمة التي قادتها وأدارتها ومثلتها بأعظم دور في نشر الهدف الرسالي المقدّس الذي سعى إلى تحقيقه الأمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء.
ارتقت شخصية السيدة العظيمة زينب على الأقوال وفاقت عن إدراك العقول بصبرها وشجاعتها وصلابتها فهي حفيدة سيد الخلق وابنة علي سيد البلغاء وابنة سيدة النساء وورثت منها صفات المجد والعظمة وقد قال لها الإمام زين العابدين عليه السلام: (ياعمة، أنت بحمد الله عالمةٌ غيرُ معلّمة، فهمةٌ غير مفهَّمة).



