اخر الأخباراوراق المراقب

الإمام الجواد والفرصة الذهبية

محمد علي جواد تقي..

غمرت البهجة الإمام علي بن موسى الرضا “عليه السلام”، بولادة ابنه محمد بعد طول انتظار، ليضع حداً لكل الاستفهامات من القريب والبعيد عن مصير الإمامة من بعده، فيبدو أنه رزق بهذا المولود المبارك في وقت متأخر من حياته، لذا جاء به الى أصحابه يعلمهم بأنه الإمام من بعده، وقد سمّاه محمداً، وكنّاه أبا جعفر، فعرفته الشيعة بأبي جعفر الثاني، لتمييزه عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر.

علم المأمون ومعرفته لم تكن في صالحه

عُرف المأمون العباسي اهتمامه بالعلم والمعرفة، وترجمة ما كتبه الآخرون خارج كيان الأمة، معتقداً بفائدتها لمسيرة العلم والمعرفة عند المسلمين، ومنها ما كان قادماً من المدارس الفلسفية والعرفانية، وإليه يعزو الفضل في تأسيس “بيت الحكمة” ببغداد، ليكون ملتقى للأدباء والعلماء من كل مكان.

هذا الاهتمام أراده المأمون وسيلة لتكريس دعائم حكمه من خلال استقطاب العلماء والحكماء، ليكونوا الى جانبه، وفي طليعتهم الإمام الرضا ثم ابنه محمد الجواد “عليهما السلام”، لبدء منهج جديد يختلف كلياً عما كان عليه آباؤه العباسيون من القمع والتنكيل بالمعارضين، والابتعاد عن الاحتقان السياسي، وإثارة سخط الناس، كما كان عليه الحال مع أسلافه العباسيين، ثم الظهور بمظهر التديّن والتعكّز على الثقافة والعلم، ولكن خاب فأله بانكشاف حقيقته في قادم الأيام لما سنشير اليه في سياق الحديث عن حياة الإمام محمد الجواد “عليه السلام”، الذي نحتفل هذه الايام بذكرى مولده الميمون، وجهاده العظيم للدفاع عن العقيدة الحقّة ورسالة السماء في ظل ظروف سياسية واجتماعية غاية في التعقيد.

نفس قرار الترحيل القسري الذي اتخذه بحق أبيه الرضا من مدينة جدّه المصطفى، كرره المأمون مع ابنه الجواد بعد فترة وجيزة من اغتياله الإمام الرضا بطريقة احتيالية يتقنها جيداً، إذ لم يسعه إغماض جفنه لحظة واحدة والإمام التاسع من أئمة أهل البيت قائم في مدينة جدّه بين شيعته ومواليه في داخل المدينة وفي شتى بقاع البلاد الاسلامية آنذاك، فأمر باستدعائه الى بغداد خلال وجوده فيها، وقد استتب له أمر الحكم وتحييد موقف الأسرة العباسية بشكل عام إزاء مسألة وجوده في قمة الحكم كخليفة للمسلمين، وفي بغداد اقترح على الإمام الزواج من ابنته “أم الفضل” وهو يوم ذاك ابن عشر سنين، مما يؤكد إحكام المأمون قبضته على أفواه العباسيين قاطبة، فلم يدعهم يعترضون على هذا القرار، برغم التبرّم وإظهار الخشية من احتمال خسارتهم الحكم والسلطة، متذرعين بصغر سن الإمام، واقترحوا عليه قضاء فترة في حلقات الدرس “ليتفقه في الدين ويتعلم القرآن الكريم”، بيد أن المأمون أكد لهم بأنه أعرف بهذا الفتى منهم، فقد سبق أن عرف أباه الرضا وتيقن خلال تلك المناظرة الشهيرة مع رؤساء الأديان والمذاهب، أن أئمة أهل البيت، ليسوا علماء عاديين يكتسبون علومهم ومعارفهم من الكتب والمطالعة والتأمل والتفكّر، وإنما يتميزون عن سائر البشر بعلومهم الربانية الممتدة الى جدهم المصطفى الذي أحاطه الله – تعالى – بعلم ما كان ويكون.

وفي ظن المأمون أنه يستوعب الإمام الجواد عندما يكون صهراً له، وربما هو زهو الحكم، والاعتداد الزائد بالنفس، وحتى يتخلص من تململ شيوخ العباسيين وتشكيكهم بأهلية وجدارة الإمام الجواد، ليكون صهراً لهم، اقترح عليهم عقد جلسة حوارية ليسألوه ما بدا لهم ويستكشفوا من خلالها رجاحة عقله وغزارة علمه، فكان ذلك السؤال المحيّر والمدوّي في التاريخ الذي تورط فيه يحيى بن أكثم الذي يفترض أنه قاضي القضاة، وأعلم علماء زمانه، عندما سأل الإمام عن مُحرمٍ قتل صيداً، ظناً منه بأنه يطرح سؤالاً تعجيزياً، فجاءت التفريعات المذهلة منه “عليه السلام”، لتلقمه حجراً يخلده التاريخ، فقال له: قتله في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أم جاهلاً؟ قتله عمداً أم خطأ؟، حراً كان المُحرم أم عبداً؟ صغيراً كان أم كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد كان أم من كباره؟ مصرّاً على ما فعل أم نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم في النهار؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أم بالحج؟.

فكان هذا كافياً للمأمون أن يقنع جماعته بأهلية الإمام بالمصاهرة ويحقق لنفسه ما يريد، فتم الزواج بإعلان قبول الإمام بهذا الزواج، وحصل ما حصل من احتفالات باذخة صنعها المأمون لابنته في بغداد لا تهمنا كثيراً تفاصيلها بقدر ما يهمنا كيفية تعامل الإمام الجواد مع هذه المرحلة الجديدة من حياته، عندما استثمر سياسة المأمون لصالحه ولصالح الرسالة بأن يضاعف جهده ويكرس حياته القصيرة في منصب الإمامة والولاية على الأمة في توثيق وتثبيت تراث ثمانية أئمة هداة معصومين سبقوه، ومن قبلهم جدّه المصطفى، بأن يجمع كل هذه الروافد العلمية والمعرفية والأخلاقية في خط واحد يكون الصراط المستقيم لشيعته في أيام حياته، ومن ثم للأجيال القادمة والى يومنا الحاضر، ولا أدلّ على هذا من مخاطبة الشيعة للإمام الجواد بكنيته الحقيقة؛ أبا جعفر الثاني، تمييزاً لهم عن الإمام أبو جعفر الباقر، وذلك بشكل علني في المكاتبات والمخاطبات في الأوساط العامة.

الدفاع عن العقيدة حتى النفس الأخير

أميط اللثام عن وجه المأمون بعد استشهاد الإمام الرضا، بإعلانه “الاعتزالية” مذهب الدولة الاسلامية، مظهراً ما أخفاه طيلة السنوات الماضية، للتخلص من المنظومة الاحكامية والقيمية للإسلام، واستبدالها بمنظومة فكرية جديدة تدّعي التعقّل في معرفة الدين، ومما فعله؛ إجبار الناس على حدّ السيف بأن يؤمنوا، بأن القرآن مخلوق وليس آيات نزلت على قلب النبي الأكرم، وليس ثمة شيء اسمه “كلام الله”، حتى النصوص القرآنية بأن الله {كلم موسى تكليما}، أنكره على وفق ما توصل اليه شيوخ المعتزلة آنذاك، مدّعين أن كل شيء لا يوافق العقل ليس من الدين بشيء، ومن أجل هذا التصوّر الذهني، سفكت دماء المئات من المسلمين في بقاع عديدة.

في ظل هذه الفتنة السوداء، كان الإمام الجواد حريصاً على الرسالة السماوية التي جاء بها جدّه المصطفى بكامل معالمها وتفاصيلها، كما كان حريصاً على الوضع الأمني والهدوء الاجتماعي لاتباعه المؤمنين خاصةً، والمسلمين بشكل عام، لذا أوصى شيعته بعدم الخوض في الجدل بهذا الموضوع، وعدم الانزلاق في نزاعات فكرية وعقدية مع الآخرين تسبب لهم اضراراً فادحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى