معوقات التحول الديمقراطي في العراق
لا ريب في دعوةِ الديمقراطية إلى إطلاق الحريات العامة والتمسك بحريةِ التعبير، فضلاً عن التعدديةِ والتداول السلمي للسلطة، إلا أنَّ ما ظهر من تجارب ديمقراطية على مدى التاريخ كان أبرز ما يميز هو حرص أنظمتها على نسجِ تشريعات لمنظومة قانونية صارمة لأجلِ ضمان استقرارِ مجتمعاتها والمحافظة على أرواحِ الناس وممتلكاتهم من عبثِ الفاسدين وطيش المتهورين، بالإضافةِ إلى توجيه الحكومات إدارات قطاعاتها لتكريسِ ما استجد من فعالياتٍ حيال مهمةِ مكافحةِ الفساد بجميعِ أشكاله سعياً في تحقيقِ العدالة من خلالِ سيادة القانون.
لم نسمع يوماً أنَّ دولةً شمولية أو ديمقراطية على حدٍ سواء، أعاقت مكوناتها التشريعية، التنفيذية والقضائية تنفيذ التشريعات القانونية النافذة، إلى جانبِ تحجيم سلطة القانون. ولم نجد في مجرياتِ التأريخ الحديث ما يؤكد تهاون حكومة عن محاسبةِ المجرمين لإخلالهم بالنظامِ العام، وتغاضيها عما تحدثه العصابات الإرهابية من كوارث يندى لها جبين الإنسانية، فضلاً عن التراخي بمحاسبةِ العابثين بالمالِ العام.
إنَّ ارتداءَ العراق ثوب الديمقراطية على وفقِ المقاسات الأميركية، الَّتِي حرصت على إشاعةِ ثقافة الانقسام والتشرذم عبر تغليب المصالح الفئوية على مصالحِ البلاد العليا، كان من الأخطاءِ التاريخية الكبرى، الَّتِي يصعب الخروج من مأزقها الهادف إلى ترويضِ الشخصية العراقية على قبولِ فكرة تقسيم البلاد لمجموعةِ من الدويلاتِ الضعيفة، التي من شأنِها الانشطار مستقبلاً إلى كانتوناتٍ هشة فاقدة لسيادتِها ونموها الاقتصادي واستقرارها الاجتماعي وكرامتها وأمنها الوطني، الأمر الَّذي يتطلب التأثير في مسارِ النشء الجديد بقصدِ إخضاعه لرؤى وتوجهات الغزو الثقافي، الَّذي يستهدف إبعاده عن التمسكِ بانتمائه الوطني تمهيداً لتمريرِ مؤامرة تقسيم العراق وإضعاف قدراته المادية والبشرية والتقنية، فلا عجب من ارتداءِ رجال المستقبل ( حفاظات ) في حفلاتِ التخرج، ولا غرابة من صمتِ إدارة التعليم العالي والإدارات الجامعية ومكاتب عمداء الكليات ما دام الأمر يتعلق بممارسةٍ ديمقراطية وأنْ كانتْ مضامينها منافية لمنظومةِ المجتمع القيمية!!.
لا مبالغة في القولِ إنَّ مرورَ أكثر من عشرِ سنوات على بدايةِ مرحلة التحول الديمقراطي، جعلت من البلادِ ميداناً لإشاعةِ الفوضى وإفرازِ الكثير من الظواهرِ السلبية، الَّتِي ساهمت بالتأثيرِ في توجهاتِ أغلب الشرائح الاجتماعية في ظلِ ازدهار ثقافتي العنف والفساد وشيوع الأفكار الداعية إلى الفرقةِ والانقسام المتأتية من خطابِ المسؤول وتوجهات بعض المشاركين في العمليةِ السياسية. ولعلّ من بينها ركون الكتل السياسية الفاعلة في المشهدِ السياسي المحلي إلى مفاهيمِ المحاصصة، التوازن، التوافق السياسي وغيرها. وأدهى من ذلك قدرة الكتل السياسية على تكييفِ هذه المفاهيمِ عند الحاجة وبحسب الظروف، فعلى سبيل المثال لا الحصر جرى تغيير تسمية المحاصصة بعد تصاعد موجات الغضب الشعبي والإشارة إليها باسمِ ( الاستحقاق الانتخابي ) سعياً في محاولةِ الحفاظ على المكتسبات، الَّتِي حصلت عليها الأطراف السياسية المشاركة بإدارةِ الحكم.
إنَّ المحاصصةَ المقيتة وأنْ عمدتْ أطراف البيت السياسي العراقي مؤخراً إلى تجميلِ مفهومها بابتكارِ عنوان جديد لها، تُعَد بيت الداء الوطني، الَّذي أذل الشعب وأهان تأريخ البلاد وأدى إلى الانتقاصِ من سيادتِها وكرامتها، فلولا هذه الجرثومةِ السياسية ما كانت الموصل لتخرج عن سيطرةِ الدولة المركزية، ولا استطاعت عصابات الإرهاب والجريمة المنظمة والفساد بالتمادي في غيِها بإزهاقِ أرواح الناس، وتبديد ثروات أحد أكبر البلدان المصدرة للنفطِ اختلاساً وإفساداً، وجعل شعبه من أفقرِ شعوب الأرض.
في أمانِ الله. لطيف عبد سالم العگيلي



