نيران إسرائيليةٌ صديقة!

بقلم/ محمد هلسة..
تُعرف “النيران الصديقة”، وكما يوحي الاسم، بأنها رمي بالأسلحة بين جند الجيش الواحد في خضم عمليات حربية بقصد إلحاق الأذى بالعدو، مما يتسبّب في سقوط عدد من الجرحى والقتلى في صفوف الجيش ذاته. منذ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين إلى اليوم لم تَخلُ مواجهة مع الاحتلال أو في إطار الأنشطة العسكرية الاعتيادية لقوات الاحتلال في المناطق الفلسطينية، من القتل أو الإصابة بنيرانٍ صديقة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، قُتل، وفق الرواية الإسرائيلية، في 11 حزيران 1948، أثناء الحرب، اللواء ديفيد ماركوس بالقرب من بلدة أبو غوش في القدس، بنيران زميلٍ له أخطأ في تشخيصه. وفي 2 تشرين الثاني 1956، في حرب سيناء، أطلقت كتيبتان مدرّعتان من “جيش” الاحتلال الإسرائيلي النار على بعضهما البعض، فسقط العديد من القتلى من الكتيبتين.
في الـ12 من كانون الأول الماضي، وفي أول إعلان رسمي إسرائيلي منذ بداية الحرب الحالية الإسرائيلية على غزة، أعلن “الجيش” الإسرائيلي مقتل 20 جندياً من جنوده بنيران صديقة من إجمالي 105 قتلى، أي أنّ خُمس القتلى في حينه، وفق البيان المذكور، سقطوا بنيران زملائهم.
لا شكّ بأنّ ظاهرة “النيران الصديقة” تعتبر جزءاً لا يتجزّأ من الحرب، وهي تحدث في كل الحملات العسكرية في العالم وليست حكراً على “الجيش” الإسرائيلي. ورغم محاولات قيادات “جيش” الاحتلال على مرّ السنين مكافحة حوادث من هذا النوع، بالاستعانة بالتكنولوجيا المتطورة، إلا أنها لم تحقّق نجاحاً كبيراً يذكر، خاصة في خضمّ الحرب الحالية الدائرة على غزة.
قد يرى البعض في إعلان “الجيش” الإسرائيلي المذكور عن العدد الكبير من قتلاه بنيران صديقة، محاولة للتخفيف من مكاسب المقاومة الفلسطينية، لكن حديث النيران الصديقة لم يتوقّف بل تصاعد، وكانت ذروته مقتل الأسرى الإسرائيليين الثلاثة لدى المقاومة بنيران “الجيش” الإسرائيلي. وباعتقادنا أن قتل الإسرائيلي للإسرائيلي حدث تاريخياً، ويحدث، في المواجهة العسكرية وفي غيرها، لثلاثة أسباب:
أولها، مرتبطٌ باستسهال القتل أو ما نسميه “اليد الرخوة على الزناد” حينما يتعلّق الأمر بحياة الفلسطينيين، خاصة في ظل سلوك الاستعلاء ومشاعر الغضب ورغبة الانتقام التي تُحرّك الشارع و”الجيش” الإسرائيلي في سلوكه المُنكّل بالفلسطينيين يومياً، أضف إلى ذلك الحماية والتغطية المطلقة التي يحظى بها مطلقو النار من مستويات سياسية، قضائية، وحاخامية دينية. لكن استسهال القتل هذا هو سيفٌ ذو حدين في واقع متداخل ومعقّد كالواقع الفلسطيني، خاصة في ذروة الأحداث الساخنة حيث الخوف والارباك هما سيّدا الموقف، وفي ظل عسكرة وتسليح المجتمع الإسرائيلي بشكل جنوني كما يفعل بن غفير حالياً.
أما السبب الثاني الذي يقف خلف تزايد أعداد الجنود والإسرائيليين الذين يقتلون بنيران صديقة، فهو الخوف والإرتباك وارتعاد اليد الناتج عن ضغط المعركة وهولها، فلا أقلّ، والجنود يحسبون كل صيحة عليهم، من أن يطلقوا النار على كل ما يتحرّك وفي كل الاتجاهات لحماية أنفسهم، التي باتت في مرمى نار المقاومة حيث لا يدرون من أين يأتيهم الموت، كما حدث في واقعة مقتل الأسرى الثلاثة في غزة بنيران زملائهم من الجنود الإسرائيليين، مع أنهم لم يشكّلوا خطراً على حياة الجنود وأظهروا إشارات الاستسلام، كما بيّنت تحقيقات “جيش” الاحتلال في الحادثة المذكورة.
وهذا يقودنا إلى الدافع الثالث، والأهم، الذي يقف خلف مقتل إسرائيليين بنيرانٍ إسرائيلية، والذي تحاول السلطات الإسرائيلية التستر عليه نظراً لما يسبّبه لها من حرج أمام جمهورها والعالم، وهو القتل المقصود أو الموجّه. تشير تقديرات “الجيش” الإسرائيلي إلى أن نسبةً كبيرة من الذين قتلوا يوم 7 أكتوبر، من جنود ومدنيين، قتلوا بنيران القوات الإسرائيلية “بسبب خطأ في تحديد الهوية وسط الفوضى التي عمّت البلاد“.
إلا أن هذا القتل، بخلاف ما أوردت المصادر العسكرية الإسرائيلية، أتى تنفيذاً لما بات يعرف في “إسرائيل” بنظام هنيبعل، الذي تقوم فلسفته على أنّ “جندياً ميتاً أفضل من جندي مأسور”. وهو إجراء عسكري يُطبّقُه “جيش” الاحتلال الإسرائيلي ميدانياً في حال تَعرُّضِ أحد جنوده أو مواطنيه للأسر من قبل قواتٍ مُعادية، ويسمح باستخدام الأسلحة الثقيلة والقوة التدميرية لمنع الآسرين من مغادرة موقع الحدث حتى لو شكّل ذلك خطراً على حياة الجندي أو المواطن المخطوف ذاته.
فقد ورد ضمناً في التقارير عن المعارك التي دارت في مستوطنات غلاف غزة يوم 7 أكتوبر أن دبابة تابعة “للجيش” الإسرائيلي أطلقت النار على مبنى كان يوجد فيه، إضافة إلى المقاومين، مدنيون إسرائيليون، وهو ما وثّقته كاميرا طائرة شُرطية إسرائيلية كانت تُحلّق في سماء المنطقة لحظة إطلاق الدبابة نيرانها على المنزل المذكور. كما تضمّن مقال نشره جوش برينر في صحيفة “هآرتس” بتاريخ 18/11/2023 حقيقة مفادها “أن تحقيقات أمنية في أحداث الـ 7 من أكتوبر أظهرت أن مروحية قتالية تابعة “للجيش” الإسرائيلي وصلت إلى مكان الحادث من قاعدة رمات دافيد أطلقت النار على الإرهابيين وأصابت أيضاً، على ما يبدو، بعضاً من المحتفلين الذين كانوا هناك“..
كما أشار المقال إلى “أن مروحيات قتالية أطلقت النار على سيارات جيب تابعة لحماس كانت تنطلق في ذلك اليوم من أراضي “إسرائيل” باتجاه قطاع غزة، وكان فيها مختطفون، ثم عثر في اليوم التالي على جثث المختطفين في المنطقة المحيطة”، وتابع مؤكداً: “لقد ضربوا بشكل رئيسي سيارات حماس، وكذلك الرهائن الإسرائيليين“.



