اخر الأخبار

وراثة الأدب خير من وراثة الفضة والذهب

التربية السليمة قد تغير مصير الانسان من تعيس الى سعيد، لو عرف الناس ان تربية ابنائهم على الاخلاق الفاضلة يمكن ان تحقق لهم هذه النتيجة لاعتنوا بتربية ابنائهم اشد الاعتناء، مثلما فعل هذا الرجل مع ابنه الذي فارقه عن الحياة كما ورد في القصة التي نقلتها لنا كتب الروايات والاحاديث فقد نقل الصادق “عليه السلام” عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مر عيسى بن مريم بقبر يعذب صاحبه ثم مر به من قابل فإذا هو ليس يعذب، فقال: يا رب مررت بهذا القبر عام أول، فكان صاحبه يعذب ثم مررت به العام فإذا هو ليس يعذب، فأوحى الله عزوجل إليه يا روح الله إنه أدرك له ولد صالح فأصلح طريقا وآوى يتيما فغفرت له بما عمل ابنه.
هذا مثل للابن البار الصالح وهناك مثل للابن السيئ الطالح الذي يجلب العار والسوء لابويه ويرهقهما بذنوبه وظلمه للآخرين ولا شك انه لا أحد من البشر يتمنى ان يكون اباً للطاغية فرعون الذي ظلم وقتل من البشر ما لا يعد ولا يحصى حتى اصبح المثل الاكبر للجبروت والطغيان، تخيل ماذا سيكون حالك اذا ولد لك صبي بمواصفات فرعون؟ هذا الامر كاد ان يحصل لاسرة مؤمنة ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، وقد ولد لها صبي شقي كاد ان يرهق والديه بكفره وطغيانه فأمر الله سبحانه وتعالى بقبض روحه في قصة معروفة عن لقاء كليم الله موسى “عليه السلام” مع ذلك العالم الذي قتل الصبي.
لو عرفنا خاتمة امر تلك الاسرة لأدركنا بالضبط قيمة الابن البار بالنسبة لوالديه بل والحياة عامة فعن الحسن بن سعيد اللحمي قال: ولد لرجل من أصحابنا جارية (فتاة) ودخل على أبي عبد الله عليه السلام فرآه متسخطا لها (غاضباً)، فقال له أبو عبد الله “عليه السلام”: أرأيت لو أن الله أوحى إليك إني أختار لك أو تختار لنفسك، ما كنت تقول ؟ قال: كنت أقول يا رب تختار لي قال عليه السلام: فان الله قد اختار لك ثم قال: إن الغلام الذي قتله العالم الذي كان مع موسى في قول الله: ”فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما” قال: فأبد لهما منه جارية ولدت سبعين نبيا.
ولأهمية موضوع الاعتناء بشخصية الطفل فقد وضع الدين الاسلامي امام الانسان برنامجاً متكاملاً لتحسين ظروف تكونهم ونشأتهم بالصورة الصحيحة وهناك توصيات واضحة للمؤمنين بأن يختاروا لنطفهم امهات ذات ايمان واخلاق لأن العرق دساس، وتوصيات اخرى بأن لا يسمحوا للمجنونة والبغي برضاعة ابنائهم لأن حليبهما سيترك اثراً على عقله ونفسه بحسب احاديث واضحة في هذا المجال. وفي التربية هناك قسمان قسم المعرفة وقسم السلوك، فأما المعرفة فيحصل عليها الطفل من منابع مختلفة من بينها المدرسة لكن الطفل بحاجة الى معارف اساسية تتعلق بدينه وحياته يحصل عليها من ابويه ومن المجالس الاسلامية التي تعقد في المساجد والحسينيات ومن الكتب والمجلات والصحف عندما يتعلم القراءة والكتابة.
ولأن المدرسة تأخذ على جانبها جزءا من تعليم القيم الدينية لذا يتوجب على الابوين ان يركزوا على حصول ابنائهم على التعليم الديني الكافي فالصبي والصبية اللذان يصلان الى مرحلة البلوغ الشرعي يجب عليهما ان يتعلما المسائل الشرعية التي يحتاجونها والمفروض على الآباء ان يساعدوا ابناءهم على فهم واستيعاب تلك المسائل التي تتناولها الرسالة العملية للفقيه الذي يقلدونه.
وربما لا يكون الوالدان بالمستوى الثقافي والفقهي ما يؤهلهما لتوضيح المسائل الفقهية والدينية بالشكل الصحيح فانه يتعين عليهما ارسال ابنائهما الى الدورات التثقيفية والتعليمية التي تنظمها المعاهد والمدارس الاسلامية بغرض ارشاد الاولاد لامور دينهم، ولا يكتفون بهذا المقدار بل يرسلوهما ايضاً لمجالس الوعظ والارشاد التي تقام في المساجد والحسينيات.
وأما السلوك فيكون من خلال التدريب على فعل الخير حتى يتحول الى عادة وبعدها الى ملكة وطباع نفسية وهنا يلزم على الاب ان يقدم نفسه بوصفه النموذج والقدوة لفعل تلك الاعمال الحسنة لانه من غير المعقول ان يطلب الاب من ابنه ان يقوم بعمل هو لا يقوم به أو يفعل خلافه.
وفي كل الحالات يجب على الاب التدرج في تعليم وتدريب ابنائه ويبدأ بالامور الميسرة وبعدها يتدرج صعوداً نحو الامور الاكثر صعوبة والتدرج حتى في المسائل الدينية المعرفية والسلوكية ويبدأ هذا التعليم من سن مبكرة تسبق سن البلوغ.
فتعلم المسائل الدينية على البالغين هو واجب شرعي بحد سواء على الذكور والاناث ويخطأ معظم الآباء عندما يظنون بان التعليم والتدريب يبدآن فقط في سن البلوغ لانهم عندها سيواجهون مشاكل كثيرة في تعليمهم تلك المعارف والعادات وحتى بالنسبة للفتاة يجب تعويدها على ارتداء الحجاب منذ الصغر وقبل ان تبلغ سن التكليف الشرعي لأن ذلك سيساعدها على تقبل الحجاب من دون تذمر, ويمكن ان يورث الآباء لابنائهم الكثير من الاموال لكن وراثة الادب هي أعظم وراثة يمكن ان يقدمها الآباء لابنائهم وعندها سيكون الابناء ممتنين والمجتمع سيترحم على الاب الذي ربى ابناً أخلاقه أحلى من الذهب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى