اخر الأخباراوراق المراقب

أم البنين.. تضحيات خلدها التاريخ

لا يمكن لأحد، ان ينسى التضحيات التي قدمتها “أم البنين” السيدة الجليلة، والتي جعلت كل أبنائها، فداءً للإمام الحسين “عليه السلام” في واقعة الطف الأليمة، ومنهم ابو الفضل العباس “سلام الله عليه”، ووصيتها لهم بان لا يقصروا في القتال مع حبيب قلبها سيد الشهداء.

وبهذه التضحيات اكتسبت أم البنين، منزلة ومكانة خاصة في نفوس أهل البيت، وكذلك جميع المؤمنين، وكرمها الله سبحانه وتعالى بالعديد من الخصال، حتى جعلها بابا للحوائج.

ممّن عُرف بباب الحوائج من ذوي الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) وخاصّتهم أُمّ البنين (عليها السلام)، وهي أُمّ أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) فاطمة بنت حزام الوحيديّة الكلابيّة، وقد نالت هذا المقام عند الله تبارك وتعالى بحسن اعتقادها وإيمانها بالله ورسوله، وشدّة إخلاصها وولائها لأهل بيت رسول الله (صلّى ‌الله‌ عليه ‌وآله)؛ فقد نذرت نفسها ووقفت طاقاتها -لمّا تقلّدت وسام الزوجيّة من ابن عمّ رسول الله (صلّى‌ الله‌ عليه ‌وآله) الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن حين دخلت بيته- لخدمة ابنَيْ رسول الله وريحانتيه الإمامين الهمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، وقدّمتهما على نفسها وعلى أولادها وذويها، وعلّمت أولادها ودّهما والإخلاص في ولائهم لهما، وربّتهم على محبّتهما وعلى إيثارهما، وتقديمهما على أنفسهم والتضحية والفداء من أجلهما بالروح والدم، والغالي والنفيس، وأرسلتهم مع إمامهم الحسين (عليه ‌السلام) في خروجه من المدينة نحو مكّة والعراق، وأمرتهم بنصرته والذود عنه، وأوصتهم أن لا يبخلوا بأنفسهم وبذل أرواحهم في حفظه والدفاع عنه.

وكذلك فعلوا حيث أنّهم لم يقصّروا في نصرة إمامهم، ولم يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، وإنّما قدّموها فداءً لإمامهم الحسين (عليه السلام) ووقاءً له، ونالوا بذلك شرف الدنيا وثواب الآخرة.

هذا وعندما جاء بِشْرُ بن حذلم ينعى الإمام الحسين (عليه‌ السلام) إلى أهل المدينة، خرجت أُمّ البنين فيمَن خرج من الناس، لكنّها لم تسأل بِشْراً عن أولادها وإنّما سألته عن سيّدها الإمام الحسين (عليه ‌السلام)، وكلّما كان بِشْرٌ يخبرها بقتل واحدٍ من أولادها كانت تجيبه بكلّ رباطة جأش وسكون نفس: فداءً لسيّدنا الحسين (عليه ‌السلام)، ثمّ كانت تقول له: أسألك عن سيّدنا الحسين (عليه السلام) وتخبرني عن أولادي؟! حتّى إذا سمعت بنعي الإمام الحسين (عليه‌ السلام) بكت وأعولت ووقعت مغشيّاً عليها.

وهنا لمّا رأى الله تعالى كبير إخلاصها، وعظيم حبّها وولائها، وصدق قولها وفعلها، أثابها على ذلك بعزّ الدنيا وشرف الآخرة، وجعلها باباً من أبواب الحوائج إليه، ووسيلةً من وسائل رضوانه وغفرانه، فما رجاها مؤمّلٌ حاجةً ولا صاحبُ مشكلة ووسّطها إلى الله تعالى إلّا وانقلب بقضاء حاجته، ونجاح مهمّته، وحلّ مشكلته.

لم تحضر أم البنين واقعة الطف، إلاّ أنّها واست أهل البيت (عليهم السلام) وضحَّت من أجل الدفاع عن الدين الإسلامي بتقديم أولادها الأبطال الأربعة فداءً للحسين (عليه السَّلام) ولأهدافه السامية .

ثم واصلت جهادها الإعلامي بعد مقتل سيد الشهداء ووصول أهل البيت (عليهم السلام) إلى المدينة المنورة، فكانت تخرج كل يوم إلى مقبرة البقيع ومعها عبيد الله ولد ولدها العباس، فتندب أبناءها الأربعة أشجى ندبة، فيجتمع الناس إليها فيسمعون بكاءها وندبتها ويشاركوها العزاء كما كانت تقيم مجالس العزاء في بيتها فتنوح وتبكي على الحسين (عليه السَّلام) وعلى أبنائها الشهداء الأربعة، ولم تزل حالتها هذه حتى التحقت بالرفيق الأعلى .

تُوفيت هذه السيدة الجليلة في الثالث عشر مِن جُمادى الآخرة سنة 64 هـجرية في المدينة المنورة، ودُفنت بالجانب الغربي من جنة البقيع، حيث يتوافد الزائرون لزيارة مرقدها الطاهر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى