اخر الأخباراوراق المراقب

حرب مؤتة والمد الإسلامي

عندما هاجر النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة المنورة، أسس دولة الإسلام المباركة، ولعلها الدولة الوحيدة الموجودة في الجزيرة العربية آنذاك، من حيث القيادة والتنظيم، وفي الوقت عينه كانت المنطقة المجاورة لها تعيش صراعاً كبيراً للسيطرة عليها من قبل دولتين عظميين، وهما: دولتا الروم وفارس، وكانت بينهما عدة من الوقائع، وحدث أن انتصر الروم على دولة فارس في بلاد الشام، وعلى إثر ذلك تزايدت رغبة الروم في غزو مدينة النبي (صلى الله عليه وآله) وإيقاف المد الإسلامي والحد من انتشاره في المنطقة وخارجها، وهذا واضح من خلال قتلهم لرُسل النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد نشبت بين المسلمين وبين الروم معارك عدة، منها: غزوة دومة الجندل، وتقع دومة الجندل على خمس ليال من دمشق، وهي من أعمال الشام، وكذا المعركة التي قادتها سرية من المسلمين قصدت منطقة (ذات اطلاح) وهي في البلقاء من الأردن.

وتقع مؤتة قرب مدينة الكرَك جنوبي عَمَّان عاصمة الأردن، وتبعد عنها 120 كم وتبعد عن القدس نحو 70 كم، وعن المدينة المنورة أكثر من 1100 كم، وتسمى المزار، لأن فيها مرقد ومزار جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة.

في السنة السادسة للهجرة كان النبي (صلى الله عليه وآله) يرسل الرسل إلى الملوك والقياصرة يدعوهم إلى الإسلام، ومن جملة هؤلاء هرقل الروم، حيث كتب له (صلى الله عليه وآله): (بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، فكان جواب هرقل جوابا دبلوماسياً -بمصطلح اليوم- غير أن الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام من قبل هرقل كان جوابه سيئاً، والذي يؤيد أن هرقل كان جوابه سياسياً أنه أقدم على قتل حاكم الأردن عندما أعلن إسلامه دون أن يرسل إليه النبي (صلى الله عليه وآله) رسالة.

جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه): احتل الصحابي أبو عبد الله جعفر بن أبي طالب، مكانة سامية ومؤثرة في تاريخ الإسلام، فقد كان أحد الصحابة الذين لهم الدور الفعّال والمؤثر في الدفاع والجهاد وتشييد الدين الإسلامي، فهو باتفاق المسلمين من أوائل المؤمنين بدعوة النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله) في أول السنة التي بُعث فيها (صلى الله عليه وآله).

استشهاده (رضي الله عنه):

روى العلامة المجلسي في بحاره: (ثم غزا [أي جعفر] غزوة مؤتة في سنة ثمان من الهجرة وقاتل فيها حتى قطعت يداه جميعاً، ثم قُتِل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء)، فمن هنالك قيل له: جعفر ذو الجناحين).

وفي المحاسن: عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: (سألت أبي عن المأتم؟ فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما انتهى إليه قتل جعفر بن أبي طالب دخل على أسماء بنت عميس امرأة جعفر، فقال: أين بنيه؟ فدعت بهم وهم ثلاثة، عبد الله، وعون، ومحمد، فمسح رسول الله رؤوسهم، فقالت: إنك تمسح رؤوسهم كأنهم أيتام؟ فتعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من عقلها، فقال: يا أسماء ألم تعلمي أن جعفراً (رضي الله عنه) استشهد، فبكت فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تبكي فإن جبرئيل (عليه السلام) أخبرني أن له جناحين في الجنة من ياقوت أحمر، فقالت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو جمعت الناس وأخبرتهم بفضل جعفر لا ينسى فضله، فعجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من عقلها ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ابعثوا إلى أهل جعفر طعاماً، فجرت السنة).

ذكرت المصادر التي تدعمها السلطة، أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) عيّن لقيادة جيش مؤتة زيداً، فإن قُتل فجعفر فإن قُتل فعبد الله بن رواحة، أي: جعلوا جعفراً الثاني وزيداً الأول، وفي المقابل نجدهم يرون أن بني عبد المطلب لا يدانيهم أحد في الشجاعة والبطولة، ولم يرو أحد أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمّر عليهم غيرهم، وقد أرسل (صلى الله عليه وآله) الإمام علياً (عليه السلام) وحمزة وجعفراً مراراً، فلم يولِّ عليهم غيرهم، والملاحظ أن سياسة السلطة قامت على تحريف وإخفاء الحقائق، والتنقيص من مكانة عترة النبي (صلى الله عليه وآله) كما هي عاداتهم، قال صاحب الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله): (إن غالب محدثي أهل السنة، قالوا بأنه (صلى الله عليه وآله) قد أمَّر على السرية زيداً أولاً، ولكن الصحيح هو أن الأمير الأول كان جعفر بن أبي طالب (عليه السلام)، كما ذهب إليه الشيعة).

ويمكن أن نستند في ذلك إلى أمور عدة:

 1 – الروايات التي أشار إليها ابن أبي الحديد، الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)، وقد قال السيد شرف الدين: (الصواب ما يقوله أصحابنا الإمامية، إن الأول من هؤلاء الأمراء إنما هو جعفر والثاني إنما هو زيد وثالثهم عبد الله بن رواحة، وأخبارنا في هذا متظافرة من طريق العترة الطاهرة).

ومنها رواية أبان عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إنه استعمل عليهم جعفراً، فإن قتل فزيد، فإن قتل فابن رواحة).

وما رواه ابن سعد في طبقاته: بإسناده عن أبي عامر، قال: (بعثني النبي إلى الشام، فلما رجعت مررت على أصحابي، وهم يقاتلون المشركين بمؤتة، قلت: والله لا أبرح اليوم حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمرهم، فأخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، ولبس السلاح (وقال غيره أخذ اللواء زيد بن حارثة)، وكان رأس القوم، ثم حمل جعفر، حتى إذا همَّ أن يخالط العدو، رجع فوحَّش بالسلاح، ثم حمل على العدو، فطاعن حتى قتل، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى لم أر اثنين جميعاً).

سيف الله المسلول علي (عليه السلام) أم غيره؟.

إن المتتبع للتاريخ الإسلامي يستطيع أن يلحظ دون مزيد جهد، أن الدفاع عن الإسلام اقترن بشخص الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فما من حدث صغير أو كبير، في بداية البعثة أو بعدها، بل حتى قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله)، إلا وكان علي (عليه السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله)، لكن مع كل هذا الوضوح نجد أن هناك مَن تعمّد التقليل من هذه الجهود والفضائل، بل أكثر من ذلك فإنهم سرقوها وألصقوها بأُناس بعيدين كل البعد عن هذا العطاء والفضل، وليت الأمر اقتصر على ذلك، بل تعدى إلى أن تُلصق مناقب وكرامات بطل الإسلام وناصره إلى مَن حارب الإسلام وأمضى حياته في محاربة الدين وأهله، قبل أن يتظاهر بالإسلام وبعده، حيث سفك دماء المؤمنين وسبا النساء المؤمنات وغيرها من الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية، حتى وصل الأمر أن النبي (صلى الله عليه وآله) تبرأ من أفعاله ومما صنع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى