الخمس وموارد وجوبه في الإسلام

قال الله تعالى في محكم كتابه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾.
تشير هذه الآية بوضوح تام إلى أن ضريبة الخمس واجبة في الغنائم التي يحصل عليها المسلم، والغنيمة هي ما يربحه الإنسان من أي عمل يقوم به، إلا أن فقهاء الإسلام اختلفوا في تحديد مورد الغنيمة الذي يجب فيه الخمس، ففي المذهب الشيعي الإمامي، فإن الخمس يجب في كل ربح يحصل عليه الإنسان من كسب، ولا يختص بغنائم الحرب مع غير المسلمين فقط، بينما عند المذاهب الإسلامية الأخرى، فالخمس عندهم ينحصر فيما يغنمه المسلمون من أموال المشركين في الحروب وغيرها.
والخمس الواجب عند الشيعة، هو في سبعة أمور هي التالية: أولاً: غنائم الحرب مع غير المسلمين، فكل ما يغنمه المسلمون من الكفار من غير الأرض يجب إخراج خمسه ودفعه للحاكم الشرعي في زمن الغيبة، أما في زمن المعصوم (عليه السلام) فيكون الخمس له، ويقسِّم الباقي للمقاتلين الذين يحصلوا على تلك الغنائم، وقد ورد في الرواية عن الإمام الباقر (عليه السلام): (كل شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) رسول الله، فإن لنا خمسه، ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتى يصل إلينا حقنا).
ثانياً: المعادن: وهو كل ما يستخرج من باطن الأرض أو ما يؤخذ من ظاهرها بعمل أو بغيره، كالذهب والفضة والنحاس والحديد، ومن أمثال الياقوت والفيروز والعقيق وكل ما هو من هذا القبيل، فإذا أخرج المسلم شيئاً من هذه المعادن، يجب الخمس هنا بعد إخراج ما صرفه من مصاريف لإخراج المعدن، ثم تخميس الباقي إن بلغت قيمته عشرين ديناراً ذهبياً أي ما يعادل (مئة غرام من الذهب) في عصرنا الحاضر، فلو فرضنا انه أخرج معدناً يساوي خمسمائة غرام قيمة من الذهب، وكان قد صرف مائة غرام قيمة من الذهب لإخراج المعدن، فتكون قيمة المعدن الصافي بعد اخراج المصاريف أربعمئة غرام ذهب، فيجب عليه في هذه الحالة دفع ما قيمته ثمانية غرامات ذهبية وهو مقدار الخمس في هذا الفرض.
ثالثاً: الكنز: وهو المال أو المعادن الثمينة أو غير ذلك ما تركته الشعوب القديمة في باطن الأرض، فمن استخرج كنزاً وجب عليه دفع خمسه، إذا بلغت قيمة الكنز عشرين ديناراً ذهبياً (مائة غرام من الذهب تقريباً)، فإذا كان قيمة الكنز أقل من ذلك لا يجب فيه الخمس، وهنا أيضاً لا بد من إخراج واستثناء ما صرفه من أخرج الكنز من مصاريف، فإذا بقي بعد إخراج المصاريف ما يقارب قيمته مائة غرام من الذهب وجب الخمس كما قلنا.
رابعاً: الغوص: وهو عبارة عن كل ما يُخرجه المسلم من البحر كاللؤلؤ والمرجان وغير ذلك كالعنبر، فهذا أيضاً يجب فيه الخمس بعد إخراج المصاريف التي دفعها لإخراج الجواهر من البحر، ويشترط أن تبقى قيمة ما أخرجه بعد استثناء المصاريف ديناراً ذهبياً واحداً (أي ما يقارب من خمسة غرامات من الذهب).
خامساً: الأرض التي يشتريها الذمي من المسلم: والذمي هنا هو عبارة من غير المسلم، لكنه الذي يعيش بين المسلمين ولديه عهد أمان منهم، وهو غير محارب لهم ولا معين لأعدائهم، ويلتزم بعدم ارتكاب المحرمات الإسلامية علناً في بلاد المسلمين.
سادساً: المال الحلال المخلوط بالمال الحرام: بمعنى أن يكون لدى الإنسان مال من أبواب الحلال، لكن دخل على ماله مال آخر من أبواب الحرام كما لو سرق أو تاجر بالمحرمات أو غير ذلك، ولم يكن مقدار الحرام من المال معروفاً لا قيمة ولا صاحباً ولو في عدد محصور من الناس، أما لو كان مقدار الحرام محدّداً كما لو كان ربع المال أو ثلثه وجب إخراجه ثم تخمين ما يبقى ليصبح خمساً، وإذا كان صاحبه معروفاً أو محصوراً في عدد محدد من الأشخاص وجب الفحص بينهم وإذا لم يستطع التعرّف إلى صاحبه بالتحديد من بين هذا العدد المحصور يرجع إلى الحاكم الشرعي ليعرف ما هو حكمه في هذا المورد.
سابعاً: ما يفضل عن مؤنة الإنسان السنوية: والمراد من “المؤنة” هنا هو كل ما يحتاجه الإنسان في معيشته من المأكل والمشرب والملبس والمسكن والطبابة وأجهزة التعليم وحجه وزيارته وهداياه ورحلاته الترفيهية بدون إسراف أو تبذير ومصاريف من يقوم بهم كأبنائه وزوجته، ومثل وفاء النذورات أو الكفارات وأجور الخادمة إذا كان محتاجاً إليها في شؤون منزله، وبالجملة فالمؤنة هي كل ما يصرفه الإنسان في حياته من الناحية المعيشية من كل جوانبها التي تحتاجها الناس عادة بحسب شأنهم ومالهم من الغنى والفقر وما شابه ذلك.
وقد وردت روايات كثيرة تدل على وجوب الخمس في الفاضل عن المصروف السنوي للإنسان وهو المسمّى شرعاً بـ”المؤنة”، ومنها ما يلي: (كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام): أخبرني عن الخمس، أعلى جميع ما يستفيده الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الضياع وكيف ذلك؟ فكتب (عليه السلام) بخطه الخمس بعد المؤنة)، ومنها صحيح البزنطي قال: (كتبت إلى ابي جعفر (عليه السلام): (الخمس أخرجه قبل المؤنة أو بعد المؤنة؟ فكتب (عليه السلام) بعد المؤنة).



