اخر الأخباراوراق المراقب

كرامة الانسان ..كيف صانها الاسلام وشدد على احترامها؟

يُقال إن الإنسان إذا امتلك كرامته، كأنه امتلك العالم، والإنسان الذي لا تتعرض كرامته للانتقاص هو أغنى الناس حتى لو كان فقير الحال، هذه هي القيمة الاعتبارية للإنسان، ومن هنا جاءت القيمة العظيمة للكرامة، فهي شعور نفسي ذاتي، يجعل الإنسان راضيا عن نفسه وعن الآخرين، ويجعله متوازنا، ومتفاعلا مع الآخرين ومنصفا لهم.
أما حين يحدث العكس، أي حين تتعرض كرامة الإنسان للهدر والانتهاك، فإن كل صفات الاعتدال والإنصاف والتوازن والمحبة والتفاعل، تغيب عنه، ويتحول إلى كتلة من مشاعر غاضبة على المجتمع، لأن الآخرين لم يحافظوا على كرامته ولم ينصفوه في هذا الجانب، لذا أكدت التجارب الاجتماعية تلك القيمة العظيمة للحفاظ المتبادَل للكرامة، ودورها الكبير في تعضيد البنية الاجتماعية بقوة، ومن ثم الانطلاق في بناء أمة متفاعلة متوازنة تقوم في علاقاتها كافة على عنصر الاحترام والمودّة والتعاون والإنصاف.
أحيانا يبدر من شخص ما إساءة ضدّك، وسوف تضمر له مشاعر غير جيدة في أعماقك وقلبك، ولكن هل يجدر بك إعلان تلك المشاعر على الملأ، لا يصح هذا لأن النتائج ستكون وخيمة على كل الأطراف.
وهل عليك رد الإساءة بمثلها، كلا بالطبع، لأن الإساءة محاولة للمس بالكرامة، وإذا قمت بالمثل فإنك أيضا تنتهك كرامة الآخر، فيحدث الانتهاك المتبادل للحدود وللكرامة، بدلا من أن يحدث العكس، فإذا أساء لك ولم تقابله بالمثل، سوف تمتص غضبه، وسوف تنطفئ دائرة التجاوز والانتهاك المتبادَل للكرامة.
كذلك مطلوب من الإنسان القويم أن يسيطر على غضبه ممن يسيء إليه، ولا يُظهر له مشاعر السخط والاستياء، لاسيما تجاه أولئك الناس الذين ينزعج منهم، كونهم لا يقدّرون قيمة كرامة الإنسان، فيكون الانتهاك عندهم حالة طبيعية رغم أنها مكروهة وغير مقبولة، بسبب ما تشعله من أحقاد وكراهية بين الناس.
الصحيح هو أن تتحلى بالصبر، وتسيطر على ردود أفعالك، حتى لو تطلب منك ذلك طيلة العمر، وهذا هو المطلوب من كل إنسان مؤمن، أن لا يظهر الغضب أو الاستياء ممن يتجاوزون عليه، وبهذه الطريقة يمكن أن يعي الإنسان الخاطئ خطأه ويقوم بتصحيحه، وربما الاعتذار والكف عن انتهاك كرامة الآخرين.

ولكن حين يتجاوز الانتهاك الحدود المعلومة والمتفّق عليها شرعيا واجتماعيا، كأن تقع ضمن تشريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الأمر في هذه سيكون مختلفا، إذا لابد أن يوضع حد لمن ينتهك أحكام الدين، أما إذا كان الانتهاك شخصيا يمكن الصبر عليه فذلك أفضل لامتصاص العداء والأحقاد المتبادَلة.
ولو أننا تركنا الانتهاكات والتجاوزات جانبا، وتطرقنا إلى طريقة تصرف الإنسان مع الآخرين، وسلوكه وكلامه، وحتى نظراته، فما هو المطلوب منه لكي يساعد على بناء مجتمع يحترم كرامة أعضائه بشكل متبادَل.
المطلوب هو أن تكون كلماتك لطيفة ودودة جميلة تراعي مشاعر الناس وأذواقهم، وتتماشى مع القيم والأعراف والأحكام، وتنصف الناس خصوصا في قضية الشعور بالكرامة وعدم تجاوز الحدود، كذلك لابد أن يكون حديثك من النوع الذي يراعي الآخرين، ويكسب ودهم وقبولهم وحسن سماعهم واستجابتهم، وقد تبدو هذه الصفات صعبة المنال بالنسبة لبعض الناس، إلا أنها في الحقيقة ممكنة بالنسبة لمن يسعى في الاتجاه الصحيح.
التمرّن على كسب الصفات الحميدة
لذا لابد أن يدرب الإنسان نفسه ويضاعف التمرين على كسب هذه الصفات، والتحلي بها، لكي يتعامل مع الآخرين في ضوئها، وهي ليست مستحيلة إذا صمّم على أن تكون هذه الصفات الحميدة جزءا من شخصيته، وتسهم في تحسين سلوكه وكلامه وتصرفاته وتعاملاته المختلفة مع الآخرين.
علما أن لدينا النماذج العظيمة في تاريخ أمتنا، فالنبي صلى الله عليه وآله، كان يطبق قاعدة عدم إظهار الاستياء تجاه من يزعجه وينتهك حدوده، وهو رسول الله وقائد الأمة كلها، ولكن مع ذلك كان لا يرد الانتهاك بمثله، ويرفض أن يعاقب صاحب الانتهاك ضده، فلا يظهر غضبه حفاظا على الإنسان المقابل حتى لو كان مخطئا بحقه.
بهذه الطريقة الصبورة العظيمة استطاع الرسول صلى الله عليه وآله، أن يبني أمة تعاظمت بأخلاقها وتجاوزت في منجزاتها كل الأمم الموجودة في ذلك الزمن، فحين يصبر الإنسان على الانتهاك من الآخر غنما يحافظ على كرامته أولا، ومن ثم يدرأ خطر العداوة والفتنة بين أبناء الأمة الواحدة، علما أن هذا السلوك لا يعد من أشكال النفاق بل على العكس، فالهدف هو الحفاظ على كرامة الذات والآخرين في نفس الوقت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى