بركان خامد من الصراع … ناغورنو قره باغ شبح الحرب يعود مجدداً

د. معتز محي عبد الحميد
كاتب متخصص بالشؤون الاذرية
لعقدين من الزمن ، كانت ( اصلانوفا وظيفة قوباد ) تنتظر نهاية للحرب التي أرغمتها على ترك منزلها، إلا أن المخاوف تتزايد من أن يتفجر الصراع المتوقف حاليا على ناغورنو قره باغ من جديد وتزداد حدته. وكانت هناك صورة باهتة معلقة على أحد جدران تلك الغرفة الضيقة التي تسكنها السيدة اصلانوفا ، ذات الستين سنة ، تظهر زوجين جميلين ترتسم ملامح الحزن على وجهيهما، وهما ابنتها وزوج ابنتها. وانهمرت الدموع على خديها المتجعدين اللذين خطهما الشيب، وهي تصف ما حدث لي خلال الحرب مع أرمينيا منذ عقدين مضيا، حيث ربط جنود الأرمن زوج ابنتها إلى شجرة وأحرقوه حيا، ثم أطلقوا النار على رأس ابنته. وتابعت وهي تمسح الدموع بغطاء رأسها قائلة: “ثم أطلقوا النار على حفيدتي ليردوها قتيلة أيضا، وأطلقوا النار على عقب قدم حفيدتي الأخرى، وقالوا إن ذلك حتى نتعلم الدرس”. أما اصلانوفا فقد نجحت في الهرب، واختبأت بين الأشجار لأربعة أيام مع أحفادها الثلاثة ممن بقوا على قيد الحياة، وذلك قبل أن تهرب وتصطحبهم معها. والعشرين سنة حتى الآن، تعيش اصلانوفا في غرفة صغيرة في بيت وفرته الدولة لها ولبقية النازحين حيث عملت على تربية أحفادها الثلاثة في هذا المكان . وتابعت قائلة: “كل ما أريده هو أن أعود إلى وطني وأموت في المكان الذي ولدت فيه. أريد العودة إلى بيتي”. يذكر أن ما يقرب من مليون آذري، أو ما يقرب من سبعة في المئة من تعداد سكان البلاد، يعانون مثل تلك المعاناة ويعيشون في بنايات وفرتها الدولة لهم بالإضافة الى منح مالية قدمت لأبنائهم في تكملة مشوارهم في المدارس والجامعات والمستشفيات فضلا على عائلات تتكون من خمسة إلى سبعة أفراد يعيشون مع بعضهم البعض في هذه البيوت والشقق السكنية.
الحرب تقتل وتشرد
لقد كانت حرباً شعواء احتدمت عام 1991 أثناء انهيار الاتحاد السوفييتي في نزاع على إحدى المقاطعات، حيث كانت منطقة ناغورنو قره باغ تقع داخل الحدود الآذارية، إلا أن الأرمينيين كانوا اشد عنفا عندما استباحوا قرى ومناطق اخرى من اذربيجان وشردوا الالاف من قراهم . وقتل في تلك الحرب ما يقرب من 30 ألفا كما اضطر ما يقرب من مليون آخرين لهجر منازلهم، وذلك قبل التوصل إلى اتفاق محدود لوقف إطلاق النار عام 1994. ولم يسمح للغالبية من أولئك ممن تركوا منازلهم خلال الحرب الرجوع إليها مرة أخرى، فموطنهم قد تحول الآن إلى منطقة حرب. وتقع تلك الاراضي المتنازع عليها حاليا والتي هي اراضٍ اذرية منذ آلاف السنين تحت سيطرة أرمينيا ، إلا أن أذربيجان تسعى لاسترجاعها بمختلف الطرق.
جبهة القتال
وعلى الجبهة من غرب أذربيجان، تمتد لمئات الكيلومترات خنادق عميقة ملتوية ، لتجعل من ذلك المكان منطقة أشبه بمناطق الحرب العالمية الأولى . وفي المساحات الشاسعة، تنتصب بعض المتاريس التي تتكدس أمامها أكياس الرمال، وتظهر من خلالها فتحات تُمَكِّن الجنود الذين يقفون خلفها من إطلاق النار. وعلى الجانب الآخر، وعلى بعد بضعة مئات من الأمتار في المنطقة المحرمة التي تظل فيها بقايا اشجار العنب والتوت المحطمة ، يظهر أمامك ركام ترابي يتمركز عليه القناصة الأرمينيون، ممن كانوا في الغالب ينظرون إلينا مباشرة ويوجهون بنادقهم نحونا . لقد وقعت الدولتان اتفاقا لوقف إطلاق النار، إلا أنهما لم تتوصلا بعد إلى اتفاقية سلام رسمية، فقد وصلت محادثات السلام خلال تلك المدة إلى طريق مسدود. وأخبرنا الجنود أن إطلاق النار في هذه المنطقة يحدث يوميا. حيث وقع تبادل لإطلاق النار قبل اسبوع ونجحت القوات الاذرية بقتل العشرات من الارمنيين الذين تجاوزوا خطوط وقف اطلاق النار قبل وصولنا إلى هذا الموقع ، إلا أن كلا من الجانبين يتهم الآخر ببدء إطلاق النار، ويقول إنه لا يطلق النار إلا من قبيل الرد.
شهداء اذريون
وخلال السنتين الماضيتين ، لقي مئات الاشخاص حتفهم على الجبهة. وعلى الجانب الآذري، يبدو ان أغلب المجندين متحمسون ويقظون ويردون على استفزازات القوات الارمنية المغتصبة بقوة وشجاعة. وقال الجندي حيدر عابدوف ، وهو مجند آذري في التاسعة عشرة من عمره يتمركز على الجبهة منذ نحو ثمانية أشهر: “أنا فخور جدا لخدمة وطني. وكل يوم وكل ساعة، وأنا أنتظر الحرب أن تبدأ لنحرر أرضنا من الغاصب الارمني”. ويبدو من كلامه أنه تدرب تدريبا جيدا في معسكرات التدريب التي وفرتها الحكومة الاذرية للمتطوعين الشباب للقتال ضد العدوان الارمني المستمر برغم قرارات الامم المتحدة ومجلس الامن التي طلبت بانسحاب القوات الارمنية ووقف اطلاق النار مع تسوية لكافة المشاكل العالقة. كما أن القرويين الآذريين القريبين من السواتر الامامية عادة ما يكونون هدفا للقناصة، فهم يرعون قطعانهم ويحرثون أراضيهم بين الركام في القرى التي استهدفتها القنابل التي تتساقط على بعد أمتار منهم.
تاريخية النزاع وحسم المعركة
في ايار 1994 تم الاتفاق على وقف اطلاق النار بين اذربيجان وارمينيا من خلال وساطة روسية، ولكن ذلك لم يعنِ حلول السلام بالمنطقة . وتمكن الأرمن من السيطرة على كل من ناغورني كاراباخ والمناطق المجاورة لأذربيجان. ومنذ ذلك الحين دخلت أرمينيا وأذربيجان في مفاوضات تحت وساطة ما يسمّى بمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا OSCE (برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا) لا تزال الحوادث المتفرقة لإطلاق النار تقع على الحدود بين أرمينيا وأذربيجان وعلى طول خط التماس لناغورنو كاراباخ وتشير التقارير أيضا إلى وقوع ضحايا من جراء انفجار الألغام المزروعة من قبل الارمن ولم يتم الاعتراف بإقليم ناغورنو كاراباخ كدولة مستقلة من قبل أية دولة آخرى، بما في ذلك أرمينيا. ويعد الإقليم جزءاً من أراضي أذربيجان المعترف بها دولياً.
المستشرقة (بيرفين) ودور المرأة في عمليات السلام
يعد تمثيل المرأة في مستويات صنع القرار في المؤسسات الوطنية والإقليمية في اذربيجان من النماذج المتطورة في العالم كما تقول المستشرقة الاذرية (بيرفين افندي) ضمن الآليات اللازمة لإدارة وتسوية المشاكل التي ظهرت في المجتمع الاذري خصوصا بعد نزوح آلاف العوائل من مناطق وقرى وأرياف كاراباخ . تم إسكان أكثر من مليون لاجئ ومشرَّد (نازح) من قراباغ الجبلي (ناغورنيكاراباخ) بعد عدوان أرمينيا على أذربيجان في مختلف مناطق أذربيجان، لاسيما في باكو. وتطرقت (بيرفين) الى ان دولة أذربيجان اتخذت خطوات واسعة النطاق لمعالجة المشاكل الاجتماعية والمعيشية للاجئين والمشرَّدين. حيث أنشئت مدن وبلدات في العديد من مناطق الجمهورية ، كذلك في باكو للمشرَّدين وتم نقلهم من المخيمات والأماكن التي اضطروا إلى الإيواء فيها في المدة الأولى. ومنحت الدولة لهم بعض الامتيازات. وتنفذ الدولة برامج مختلفة للقضاء على الفقر بين النازحين ورفع نسبة العمالة وخلق فرص عمل جديدة لهم. كذلك يتمتع الشباب المنتمون إلى الأسر النازحة بإمكانية الدراسة المجانية في كل مراحل التعليم. إلى جانب ذلك، يطور الشباب من هذه الفئة مهاراتهم في مجال الحرف . وعن دور انشطة المنظمات النسوية في معالجة مشاكل الاسر تقول ايضا (بيرفين) لقد تركزت أنشطة المنظمات النسائية على مستوى عالٍ ، تمثل في معالجة مشاكل الاطفال وتوفير الحياة الكريمة لهم وتهيئة الظروف المعيشية والسكنية والصحية ايضا. وكنتيجة لهذا الاعتداء فقد تعرض اقليم ناغورنو كاراباخ للانعزال من الأعمال التنموية، بما في ذلك العمل على تعزيز حقوق المرأة. هل يتجدد القتال ؟ فعلا لقد اجتمعت اللجان المشتركة بين الطرفين والتي شكلت برعاية اممية عدة مرات وفي سنوات مختلفة، إلا أن الصراع والاشتباكات المتقطعة استمرت حتى أيامنا هذه . هكذا فإن هذه المنطقة الصغيرة والجبلية والتي لا يوجد فيها ثروات، يمكن أن تكون مطمعا لأي بلد، لكنها تمثل ممرا مهما لثروات مهمة لبلدان عدة، أثارت ولا تزال تثير هذه الحروب الدامية بين بلدين كانا ضمن الاتحاد السوفييتي السابق والذي رفعت قيادته شعارات تنادي بأخوة الشعوب ودمجها فيما بينها، وأملت في محاربة التعصب الديني والقومي. ونذكر هنا أن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف كان قد ذكر في إحدى خطبه: «إن بلادي لن تقبل منح الاقليم استقلالا من أي نوع، وهي تصر على انه جزء مهم من الأراضي الاذرية، وستعمل على استرداده بكل الوسائل بما فيها الوسائل العسكرية. فهل مازالت الأمور عند حدود تصريحات التهدئة التي تأتي دائما من الجانب الاذري والتصريحات المنفعلة المضادة التي يصرح بها زعماء الانفصال وصولا إلى الاشتباك واستئناف القتال ؟ ومتى تضع هذٍه الحرب أوزارها ليعيش سكان القوقاز بما في ذلك الأرمن والأذاريين بأمان وسلام ؟”.





