زيد بن صوحان ووفاؤه للإمام علي “ع”

تمرُّ علينا ذكرى استشهاد الصحابي زيد بن صوحان، في هذه الايام، وزيد هو أحد الصحابة الأوفياء لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب “عليه السلام“، وكانت موقفه الشجاعة والمميزة خلال مسيرته مع الإمام علي.
إن الحديث عن صحابة الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام) بصورة عامَّة وعن زيد بن صوحان بصورة خاصَّة حديث طويل، ولكن نأخذ شيئاً منه لعلَّ الذي لا يعرف وفاء الصَّحابة للإمام (عليه السَّلَام) وحبهم وصدق نيَّتهم وإخلاصهم ينتهل من هذا البحث المختصر بعض الشواهد التي شهد بها التأريخ على مدى وفاء الصحابة المخلصين وشجاعتهم وبطولاتهم، وموضوع هذا البحث يتحدَّث عن شخصيَّة إسلاميَّة كان لها مواقف وأدوار قياديَّة عديدة مع الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، وهذه الشَّخصيَّة هي شخصيَّة صحابيّ الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) زيد بن صوحان العبدي الكوفي (رحمه الله تعالى).
كان من خيار النَّاس، وإنَّه كان يدعى بـ(زيد الخير)، وقد لقبه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) به، إذ أنَّه قال: (زيد الخير الأجذم) وكذلك لقب بـ(الأقطع): وهذا لقب لحق به على ما يُروى أنَّه قُطعت يده في معركة جلولاء، ويقال: في يوم معركة اليرموك، ويقال أيضاً: انَّها قطعت يده يوم معركة نهاوند في سبيل الله، فقال بحقّه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ضمن حديث ذكره ومدحه فيه مع جندب: (وأما الأقطع فرجل تقطع يده فتدخل الجنة قبل جسده ببرهة من الدهر).
ويروى أن زيداً بن صوحان (رضوان الله عليه) قد أدرك النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله) وأسلم في عهده وصحبه، من المشاهد التي شهدها زيد بن صوحان مع أمير المؤمنين عَلِيّ (عليه السَّلَام)، هي حرب الجمل وكان معه إخوانه سيحان وصعصعة أبناء صوحان، وكان زيد بطلاً شجاعاً ومجاهداً وفارساً وقائداً من قادة الجيش في تلك المعركة، فكانت راية عبد القيس في الكوفة يوم الجمل في يده، بعدما كانت في يد سيحان بن صوحان، فاستشهد، فحملها زيد وبعده حملها أخوه صعصعة، فجاهد وقاتل قتال الأبطال، ودافع دفاعاً شديداً عن الإسلام تحت راية الحق راية الإمام عَلِيّ بن أبي طالب (عليه السَّلَام)، بدافع الولاء والإخلاص له (عليه السَّلَام).
ولا تخلو حياة الصَّحابة من مواقف البطولة والشجاعة، بالإضافة إلى صفات الكرم وقوَّة العقيدة والثبات عليها، وغيرها من الأخلاق الإسلاميَّة فلا بدَّ لهذه الصّفات من أن تكون في كلّ صحابي مؤمن ومخلص، فزَيدُ بن صوحان كان ممتلكاً لتلك الصفات الحميد والأخلاق الإسلاميَّة، فكانت حياته (رضوان الله عليه) ذات مواقف أخلاقية وبطولية يُحسد عليها، وتجسد موقفه البطولي في معركة الجمل، لمَّا قدمت عائشة البصرة كتبت إليه: إلى زيد بن صوحان من عائشة ابنة أبي بكر أم المؤمنين حبيبة رسول الله [صلى الله عليه وآله] إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان أمَّا بعد:
فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم فانصرنا على أمرنا هذا فإن لم تفعل فخذّل النَّاس عن عَليّ) فقام هنا زيد بن صوحان بالرَّد عليها بقوّة إيمانه وعقيدته وشجاعته ومناصرته للإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، فكان ردُّه عليها ردَّاً حاسماً وحذّرها من خوضها لحرب الجمل، وعليها أن تلزم بيتها، وإلَّا سيكون هو أوَّل من يقف بوجهها، فكتب إليها قائلاً: (أما بعد فأنا ابنك الخالص إن اعتزلت هذا الأمر ورجعت إلى بيتك وإلا فأنا أول من نابذك).
وكذلك من مواقفه أيضاً في معركة الجمل أنَّه عندما قدِم الإمام الحسَن (عليه السَّلَام) وعمَّار بن ياسر (رضوان الله عليه) الكوفة، والتقيا بأبي موسى الأشعريّ، وكان يثبط النَّاس عن نصرة الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، وهذا ما يؤكده قول الإمام الحَسَن (عليه السَّلَام) عندما قال له: (لمَ تثبط عنَّا النَّاس، فو الله ما أردنا إلَّا الإصلاح، وما مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء).
ودار حديث طويل بين عمَّار بن ياسر وأبي موسى وأنصاره، فزيد بن صوحان (رضوان الله عليه) لما يمتلكه من إيمان صلب وصادق وعقيدة قوية وشجاعة لم يتحمَّل ما يجري فثار وطبقته، فانتصروا لعمَّار بن ياسر، وردَّ على أبي موسى الأشعري وأنصاره في تثبيطهم النّاس عن مناصرة الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) ردّاً شجاعاً، فأقبل زيد بن صوحان ومعه كتاب من عائشة إليه خاصّة، وكتاب منها إلى أهل الكوفة عامَّة، تثبطهم عن نصرة الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام)، وتأمرهم بلزوم الأرض، فخطب زيد قائلاً: (أيها الناس، انظروا إلى هذه، أمرت أن تقر في بيتها، وأمرنا نحن أن نقاتل، حتى لا تكون فتنة، فأمرتنا بما أُمرت به، وركبت ما أُمِرنا به).
فقام إليه رجل واعترض على كلام زيد بن صوحان: (وما أنت وذاك أيها العماني الأحمق، سرقت أمس بجلولاء فقطعك الله)، فقام زيد، ورفع يده المقطوعة وأومأ بيده إلى أبي موسى، وقال له: (يا عبد الله بن قيس، أترد الفرات عن أمواجه، دع عنك ما لست تدركه).
أمَّا استشهاد زيد بن صوحان العبديّ الكوفيّ (رضوان الله عليه) فنال شرف الشَّهَادة تحت راية أمير المؤمنين عَلِيّ بن أبيّ طالب (عليه السَّلَام) في معركة الجمل التي راح ضحيتها آلاف المسلمين، فاستشهد (زيد الخير) كما لقبه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بهذه الحرب كان من ضمن الذين استشهدوا من أصحاب الإمام عَلِيّ (عليه السَّلَام) من عبد القيس وغيرهم من أبناء ربيعة وأبناء بقية القبائل العربيَّة الذين ناصروا إمام زمانهم (عليه السَّلَام) ضد الذين خرجوا عليه ظلماً.



