العنف أقرب من الهاوية

تنشأ ظاهرة العنف عندما يتوقف العقل عن انتاج البدائل المناسبة لعلاج المشكلة، ولذا نجد ان جميع الذين يلجأون للعنف من جميع المجتمعات الدينية والانسانية لديهم قصور ثقافي وفكري ، بل يمكن القول وبجزم ان العنف يعشش في المناطق المتخلفة ذات الثقافة الضحلة, وعندما يصبح العنف وسيلة للحصول على المكاسب والتخلص من الآخر دون وجه حق يكون صاحبه منبوذاً عبر التاريخ والأزمنة كما نبذت البشرية قابيل عندما قتل اخاه هابيل فاصبح النموذج الاكبر للعنف اللاعقلاني واللامبرر واللاديني, ولقد كسر قابيل كل قيم السماء والارض عندما امتدت يديه لقتل اخيه المسالم العطوف الذي يبغض العنف، فهابيل الذي كان يعرف بان اخاه يضمر له السوء بظهر الغيب اخذ قرارا حتميا وملزما بالنسبة اليه (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) المائدة -28- انه كان يملك القدرة على استخدام العنف لكنه تعالى عن ذلك وكشف للجميع حقيقة مهمة وهي ان هناك صنفين من البشر احدهما قابيلي تحركه نوازعه النفسية لارتكاب افظع الجنايات وصنف هابيلي يردعهم ايمانهم وتقواهم عن ارتكاب تلك الجنايات, وتلك القصة تذكرنا بما تفعله اليوم داعش عندما تزرع القنابل والعبوات الناسفة في الشوارع والاسواق والمطاعم والمساجد من دون ان تضع حرمة لقيمة من القيم أو حتى لبيوت الله في المقابل نجد ان اعداءها يتورعون عن القيام بنفس الاعمال ونفس الجنايات التي ترتكبها بالرغم من قدرتهم على القيام بذلك لانهم يقولون كما قال هابيل (نحن نخاف الله رب العالمين).
فالإنسان الذي يلجأ للعنف هو لا يخاف الله ويتجرد من جميع القيم السماوية والارضية ويتحول الى وحش كاسر لا يروى ظمأه إلا الدماء ومن هنا هم يبرزون أمام عدسات الكاميرا ويفتخرون بالرؤوس التي قطعوها بالضبط بما يخالف الصورة التي رسمها القرآن الكريم للمؤمنين والصالحين الذين يتورعون عن القيام بمثل هذه الاعمال الشنيعة.
الفقر الاقتصادي ربما يكون احد عوامل شيوع ظاهرة العنف، لكن الفقر الديني هو السبب الرئيس لشيوع هذه الظاهرة على المستويين الفردي والاجتماعي خاصة اذا عرفنا بان الجهل بتعاليم الدين ومفاهيمه هو اسوأ الجهل ، ومنه تنفذ جماعات العنف لتقدم تفسيراتها الضحلة عن مبادئ الدين، هذا الشيء الذي تفعله اليوم التنظيمات التكفيرية عندما تحرف بأفكارها وافعالها الصورة الحقيقية للدين الاسلامي الذي هو دين السلام ويقوم على قيم الرحمة وحب الخير للآخرين الى دين قتل وذبح وسبي وتفجير!.
ومن اجل زج الناس في معاركها وحروبها العسكرية تستغل تلك التنظيمات العنفية جهل الناس بحقيقة الدين فتركب تصوراتها الخاصة والمنحرفة في عقول الجهلاء على انها الدين الحقيقي، وبعد ان تتغلغل في صفوف الناس تقوم بتنفيذ مخططاتها لتفكيك البلدان والمجتمعات الاسلامية ، لذا فإن الحركات العنيفة الموجودة والتي تحمل السلاح بوجه الامة هي تنظيمات تعمل لحساب المخابرات الدولية التي تزرع الشقاق والنفاق بين المسلمين على وفق النظرية الاستعمارية المعروفة (فرق تسد). ولو عدنا الى مقدمات نشوء تلك الحركات العنيفة سنجد انها نشأت في حاضنة الدولة العلمانية القامعة للفكر الاسلامي ، ونتيجة عدم وضوح الصورة الحقيقية للاسلام لدى المواطن الذي يعيش في البلدان العلمانية ، فانه سيصبح طعما للحركات المنحرفة والضالة التي تحصل في ظل الدولة العلمانية على فرصة لنشر افكارها الضالة.
من هنا يتوجب على الحكومات بمختلف ألوانها ومشاربها بما فيها العلمانية ان تسمح للفكر الاسلامي الصحيح بأن يتسع وينتشر في صفوف الناس لمنع تغلغل الحركات العنيفة في وسط الامة ، والواجب الآخر يقع على المؤسسات الدينية في البلدان العربية والاسلامية بان تعمل على توضيح الصورة الحقيقية للاسلام الرحيم.
ولابد هنا من الاشادة بموقف الازهر الشريف الذي قاوم الضغوط المختلفة واطلق حكمه بعدم تكفير المذهب الشيعي واعتباره مع السنة جناحي الاسلام الذي يجب التقريب بينهما فهو بهذا الموقف سحب البساط من التنظيمات الارهابية والتكفيرية التي تستغل التنافس الطائفي من اجل التغلغل بين صفوف الامة وبث النزاع والفرقة ما بين اجنحتها الاساسية.
ليست لدى الجماعات العنيفة أسس قويمة للبقاء والانتشار وهي منبوذة في كل المجتمعات البشرية لكنها تستفيد من التناقضات الاجتماعية والطائفية الموجودة من أجل استمرار بقائها، ولو عدنا الى استراتيجية تلك الجماعات للانتشار في بلدان مثل العراق ومصر سنجد انها تعمل على بث الفرقة المذهبية في العراق بينما هي تعمل على الامر نفسه في مصر من خلال بث الفرقة الدينية ما بين المسيحية والإسلام.
وتجد تلك الجماعات العنيفة ان سر بقائها سيكون من خلال اثارة النزاعات بين الطائفتين السنية والشيعية في العراق وبث الفرقة ما بين المسيحيين والمسلمين في مصر، وعندما تشتعل النيران الطائفية ستتمكن تلك التنظيمات من التغلغل في صفوف المجتمع دون ان يسألها احد عن حقيقة توجهاتها وتصوراتها الفكرية والعقائدية، وبهذا الشكل هي ستتمدد وتنتشر بسرعة فائقة وتستطيع عن هذا الطريق انجاز في ايام ما عجزت عن تحقيقه الحركات الاسلامية الاخرى خلال سنوات.
ولقد لاحظنا في بعض المناطق التي رحبت بتلك التنظيمات العنيفة اول الامر في سوريا والعراق وجدناها تتراجع عن مواقفها تلك بعد ان اكتشفت الحقيقة الظلامية لتلك الجماعات، ولكن للاسف اكتشفت الحقيقة متأخرة وذلك بعد ان دمرت مدنها وقتل شبابها.
هناك فرق أساسي بين الجماعات التي تدعو للعنف والتطرف وبين الجماعات الوطنية والإسلامية ذات التوجه الصحيح في ان تلك الجماعات العنيفة تعمل على الهدم فقط بينما الجماعات التي تنتمي الى الخط السليم تعمل على البناء ، واذا راقبتم تمدد داعش عبر المناطق والبلدان ستجدون ان كل بلد دخله تنظيم داعش حلّ به الخراب والدمار، ابتداء من العراق وسوريا والجزائر ووصولاً بليبيا وتونس والصومال وانتهاء بباكستان وافغانستان كل بلد دخله داعش .. لحق به الخراب، وهذا ما يفعله العنف في كل بلد.




