معركة “طوفان الأقصى” ومخرجاتها.. بداية العد العكسي لما بعد إسرائيل

الدكتور طارق ليساوي..
أشرت في مقال “لماذا أرى أن خطاب مشعل الموجه للمغاربة يدعو للفخر والاعتزاز؟”، فالرجل يدرك محورية الدور التاريخي والسياسي والديني للمغاربة في الدفاع عن الأقصى والقدس ويتوسم في المغرب خيرا؟”، إلا أن القدس أطلقت حالة الالتحام غير المسبوقة بين كل مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وربطت بين نضال الأجيال، كما أنها كانت سببا في هبة المغرب مجددا لنصرة المسجد الشريف، فمن كان يظن أن مروجي شعار “تازة قبل غزة”، بالأمس القريب، سيختفون بالمرة ويدعون المجال لرافعي شعار “كلنا فلسطينيون” ، والذي تردد فيما يقارب 60 مدينة بربوع المملكة.. وتبعا لذلك، لا ينبغي النظر إلى تصريحات الرجل بسوء وتوجس، بل على العكس فإن خطابه الموجه للمغاربة يدعو للفخر والاعتزاز، لأن الرجل يتوسم في المغرب خيرا، ومشعل نفسه هو من قال في مناسبة سابقة و منذ سنوات خلت، وقبل إتفاق التطبيع ببضع سنين، قال بأن الفاتح الجديد للأقصى بعد صلاح الدين الأيوبي لمَ لا يكون مغربيا.
ونحن بصدد كتابة هذا المقال علينا أن نهنئ المقاومة على إنجازها التاريخي، ونهنئ انفسنا أيضا، لأننا راهنا منذ البدايات على المقاومة قلبا و قالبا، وتعرضنا لكثير من الأذى بسب هذا الموقف، وقد كانت المقاومة عند حسن ظنا، نهنئها ونشد علي يديها لأنها نجحت في تركيع الجيش الذي لا يقهر، نجحت في فرض شروطها وضبط الأعداء للسير على إيقاعها.. فتحية للسنوار ولأبي عبيدة ولجنود الخفاء، وتحية خاصة لنساء غزة وفلسطين التي أنجبت للأمة هذه الأسود التي ذكرتنا بعهد الصحابة واليوم نجحت قلة مؤمنة وصادقة في هزيمة حلف دولي تتزعمه أمريكا ومن خلفها الناتو..
رحم الله شهداء غزة وأسكنهم فسيح جناته والصبر والسلوان لذويهم، والشفاء العاجل للجرحى والمصابين.. حفظ الله غزة وأهلها وحفظ كل أقطارنا العربية والإسلامية من فيروس سرطاني إسمه “الصهيونية”.. ونسأل الله تعالى أن يمن بالحرية على الأسرى الفلسطينيين من سجون الإحتلال وأن يعيدهم لأهاليهم سالمين غانمين، وعاشت فلسطين من بحرها إلى نهرها عربية إسلامية درتها المسجد الأقصى المبارك…
فمعركة طوفان الأقصى نقطة فاصلة في الصراع العربي الصهيوني، فبفضله عادت فلسطين لواجهة الأحداث، وكشفت الأحداث المتتالية عن وجود طابور خامس بداخل الشعب الفلسطيني ذاته، كما أن العدوان الصهيوني الغاشم أماط اللثام عن نفاق وخيانة جل الأنظمة العربية والإسلامية، التي طالما رفعت شعار الدفاع عن القدس وفلسطين… شعارات جوفاء تم توظيفها لتسكين الشعوب، واستعبادها وهضم حقوقها باستخدام فزاعة العدو الصهيوني، ودغدغت مشاعر الشعوب بخطابات عاطفية تضامنا مع القدس وفلسطين.
لكن واقع الحال يقول بعكس ذلك، فالأنظمة العربية والإسلامية هي من شجع الكيان الصهيوني على حصار غزة والبطش بأهلها، وهي من شجع ”ترامب” قبل ذلك، على اتخاد قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتفعيل ذلك عبر نقل السفارة الأمريكية للقدس، والترويج “لصفقة القرن” والتي تم إقبارها بفضل المقاومة الشعبية و المقاومة المسلحة، وبفضل عملية طوفان الأقصى وصمود المقاومة بدأ الحديث عما بعد إسرائيل.
وما حققته عملية طوفان الأقصى والمقاومة يعد نصرا حاسما بكل المعايير، نصرا حقيقيا أخرجنا من دائرة الانتصارات الوهمية التي يحاول البعض إعطاءها أكثر من حجمها، وللأسف بعض المنبطحين والمتصهينين والخوالف يكرهون مثل هذه الانتصارات الحقيقة التي تحققت منذ مسيرات العودة ومعركة سيف القدس، أو يحاولون التقليل من أثرها وحجمها، فقبل فترة كتبت أكثر من مقال وعلى صفحتي الرسمية و ببرنامج ” اقتصاد ×سياسة، أشدت فيها بانتصار أهلنا في غزة و عموم فلسطين المحتلة في معركة “سيف القدس”، وقد خرج بعض ممن ينتمون إلى التيار “السلفي-الوهابي”، وبعض الكارهين لكل ماهو عربي-إسلامي وبعض المتصهينين، يشككون ويقللون من هذه الانتصارات ويعتبرون صواريخ المقاومة مجرد لعب أطفال.
ولهؤلاء أقول هل تعلمون أن الجيش الصهيوني قادر على غزو أغلب العواصم العربية في ساعات و نكسة 1967 شاهد على واقع الجيوش العربية التي تستطيع قمع و قتل شعوبها بكفاءة و قساوة ولكن عاجزة عن مواجهة العدو الصهيوني أو غيره من أعداء.. هذا دون أن ننسى أن حكومات بثروات قارونية وجيوش جرارة وإمكانيات ضخمة وضعت بيضها بأكمله في سلة “الكيان الصهيوني” حماية لعروشها، في سياق ما أصبح يعرف بإتفاقيات أبراهام، بالرغم من أن هذا الكيان مصيره إلى زوال والعديد من المؤشرات الكمية و النوعية تؤكد قرب زواله.
إن حقيقة ما يجري يمكن تلخيصها في حالة صراع بين باطل مزهوًّا بانتصاراته الآنية، وبين حق يعاني قلة الأنصار وكثرة المتخاذلين والإنتهازيين.. فمعركة طوفان الأقصى، لعبت دورا محوريا في توضيح الصورة، وكشفت أقنعة الأنظمة والعديد من الساسة والدعاة والمثقفين… فصف أهل الحق أخذ في التشكل والإصطفاف بالتدريج ليس في فلسطين فحسب، بل على امتداد العالم العربي والإسلامي، فما يراه البعض بأنه إنهاء للقضية الفلسطينية وضياع للقدس وحق العودة، وانتصار المشروع الصهيوني، نراه عكس ذلك، فهو مقدمات لنصر قادم، مصداقا لقوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) } (سورة البقرة).
فمن يظن بأن هزيمة الكيان الصهيوني مهمة صعبة ومستحيلة فهو واهم.. صحيح، المهمة ليست بالسهلة أو الهنية، لكن الأصعب هو توحيد الصف العربي والإسلامي، وحشد قدرات الأمة وطاقاتها لمواجهة العدو المغتصب. آنذاك يمكن تحقيق النصر، وتحرير فلسطين لن يتحقق إلا بتحرير عموم الوطن العربي والإسلامي من أنظمة الحكم الاستبدادي، وتحرير إرادة الشعوب من الخوف والفقر والعبودية لغير الله، هو بوابة النصر القادم ومعركة طوفان الأقصى بداية العد العكسي لزوال الكيان الصهيوني.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



