اخر الأخباراوراق المراقب

الجهاد في القرآن الكريم

طالما حثنا الله عز وجل على الجهاد في سبيله ووعد المجاهدين بدرجات عليا من الجنان، كما أمرنا أهل البيت “عليهم السلام” والانبياء والمرسلين على ضرورة تأدية فريضة الجهاد، الذي هو على أنواع عدة.

ويقول الله عزّ وجلّ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، وللجهاد في الإسلام أهميّة كبرى، حيث اعتبر من الأركان الأساسيّة الّتي قام عليها الدّين ولولاه ما قام للدّين عمود، وما أخضرّ للإسلام عود. وهو يمثّل قمّة العطاء ومنتهى التّضحية، حيث يعرّض المرء حياته للخطر، واحتمال الموت أو الخسارة الّتي لا تعوّض، كلّ ذلك في سبيل الله تعالى، ولإعلاء كلمة الإسلام ونشر دين الحقّ في الأرض، ولكي لا يشتبه البعض نقول: إذا كان القتال العسكريّ بيد الدّول والشّعوب تعتبر في كثير من الأحيان اعتداءً أو جريمة أو مظهراً من مظاهر السّيطرة والهيمنة، إلا إنّه في الإسلام مظهر من مظاهر السّلام والمحبّة وسيادة الحقّ والعدل والأمن والاستقرار، كما يقول الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.

وفي كثير من الحالات يكون الجهاد في سبيل الله للدّفاع عن المستضعفين والمظلومين الّذين لا حول لهم ولا قوّة أمام غطرسة الاحتلال للأرض والمقدسّات، ولولا الجهاد والقوّة الرّادعة لفسدت الأرض وأهلك القويّ الضّعيف، ثمّ إنّ للجهاد آثارًا على النّفس كثيرة، لأنّه نوع بلاء وامتحان للإنسان المسلم بمقدار صدقه ووفائه للمبادئ الّتي يحمل أو يدعو إليها، فهو يتطلّب جهدًا وتعبًا ومشقّة وعرقًا وسهرًا ومشيًا وتحمّلاً وجوعًا وألمًا وغربة، هذا في الأحوال العاديّة، وفي حالات أخرى يتطلّب دمًا وأعضاءً ونفسًا وحياة، حيث يبيع المجاهد في سبيل الله رأسه وجمجمته لإحقاق الحقّ وإظهاره، ولكن ثمن ذلك كلّه الجنّة الّتي وعد بها الله سبحانه المجاهدين وخصّص لهم بابًا يدخلون منه كما عبّر الرّسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): للجنّة باب يقال له باب المجاهدين يمضون إليه فإذا هو مفتوح وهم متقلّدون بسيوفهم والجمع في الموقف والملائكة ترحّب بهم، ثمّ قال: “فمن ترك الجهاد ألبسه الله عزّ وجلّ ذلاًّ وفقرًا في معيشته ومحقًا في دينه، إنّ الله أغنى أمّتي بسنابك خيلها ومراكز رمحها”.

إنّ الجهاد يحظى في الإسلام بأهميّة كبرى، لأنّ بقاء الإسلام وانتشاره واقتداره وتنفيذ قوانين الشّريعة يقوم على هذه الفريضة، ولهذه الجهة وردت تأكيدات كثيرة في القرآن الكريم على هذه الفريضة بالإضافة إلى الكثير من الرّوايات، ولكن سنركز على ما جاء في القرآن هنا فانتظر، والجهاد يعني في اللّغة: بذل الجهد وتحمّل المشقّة في طريق الوصول إلى الهدف، وفي الاصطلاح، الجهاد عبارة عن المبالغة واستفراغ الوسع في محاربة العدوّ، بهدف نشر الإسلام وإعلاء كلمة التّوحيد والدّفاع عن الإسلام والمسلمين ويكون ببذل النّفس والمال وبالقول والفعل.

ويقول الله عزّ وجلّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، هذه الآية تبيّن لزوم مقاتلة العدوّ وإنّه فرْض قد كتب وجوبه على المسلمين، لكنّ الإنسان بحسب طبيعته، يملّ الصّعاب والمشاقّ ويرغب في الرّاحة والدّعة، وقد عبّرت الآية عن هذا الشّعور بقولها: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾، والله سبحانه يظهر لنا أنّ هذه المشاعر الذّاتيّة بالكره وبالحبّ، ليست معيارًا لفهم المصلحة الحقيقيّة للفرد والمجتمع، فرُبَّ شيء تحبّونه وهو ينطوي على شرّ بليغ، والله سبحانه هو المحيط بكلّ خفايا الأمور، والآية تشير أيضًا إلى مبدأ أساسيّ ومهمّ وهو أنّ على الإنسان المؤمن أن يفهم أنّ كلّ هذه القوانين والأحكام هي لصالحه تشريعيّة كانت كالجهاد والزّكاة أم تكوينيّة كالموت والمصائب الّتي تحلّ به أو بأحبّائه، ولذلك عليه أن يسلّم أمره لله عزّ وجلّ، ولا يحكّم فيها علمه المحدود فعلمه بالنّسبة لمجهولاته كقطرة في بحر.

وقال سبحانه: ﴿وَجَاهِدُواْ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فالمعنى جاهدوا في نصرة الله عزّ وجلّ وإحياء دينه وإعلاء كلمته، كما يقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي جاهدوا في سبيل الله تعالى وقصد إعزاز دينه وإعلاء كلمته، لا لمطالب دنيويّة وضغائن وأحقاد، وهي تأمر بمقاتلة الّذين يشهرون السّلاح بوجه المسلمين وأجازهم أن يواجهوا السّلاح بالسّلاح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى