فلسطين تستذكر رسومات “مُحيي الدين اللبّاد” المقاومة

في حرب الإبادة الواقعة على غزة وصُور الجريمة تُبثّ على المُباشر، كما تبثّ صور المقاومة البطولية، بدا الناس مُحتاجين إلى ما يعزّز ذاتهم، فوَجَدت أعمالُ الفنان مُحيي الدين اللبّاد مساحة لها في مواقع التواصل، ومنها ما يعود إلى عقود مضت مثل “ألفبائية فلسطين”. ومع انخراط الملايين في مقاطعة شعبية غير مؤطّرة استعانوا بكاريكاتير له يعود إلى عام 1999، كأنه وُلد للتوّ، حيث الدبّابة تسير ومرضعات وقودها هي الشركات ذاتها التي تدعم الاحتلال اليوم.
كيف تبدو أعمال اللبّاد سهلة الوصول؟ لنترك المُحاضر يُعطينا أول ملمح لبطاقة هذا الفنّان، وهو “رفض الأشكال الفنية النخبوية المتمثّلة باللوحة المسندية، واتجاهه إلى التصوير المطبوع، بغية التواصل مع أوسع فئات المجتمع المصري عبر وسيط هو الطباعة بكتبها ومجلّاتها وملصقاتها”.
ومن هذا التقديم نعود مجدّداً إلى تراث فنّاننا، وقد ارتأى المحاضر أن تكون بعنوان “السيرة الإبداعية لمُحيي الدين اللباد”، ونحسب أن الدور التأسيسي للفنان منذ عام 1974، في أول دار نشر عربية مُخصّصة للأطفال، عمل مديراً فنياً لها، وهي “دار الفتى العربي”، جعل اللبّاد ينتج ويعبّر بدافعية إبداعية وعاطفة منحازتين إلى وطنه العربي وإلى فلسطين في قلب هذا الوطن، تأليفاً ورسماً وتصميماً.
كانت بيروت عاصمة للثورة الفلسطينية، وفيها قدحت فكرة تأسيس دار نشر، وقفت وراءها شخصيات معروفة في الثورة، وكتّاب وفنانون على رأسهم الفنان الراحل كمال بُلّاطه (1942 – 2019) وبتمويل من رجال أعمال فلسطينيّين.
توجّهت الدار إلى الفئات العمرية من سنّ ما قبل المدرسة حتى الثامنة عشرة، وواصل اللبّاد مشروعه الفنّي تأليفاً ورسماً، وهذه المرّة خارج مدينته القاهرة، ومنخرطاً مباشرة في مدوّنة غزيرة الإنتاج تسعى إلى تشكيل وعي الأجيال اللاحقة بهوية عربية تقدّمية، خَبِر العمل من أجلها منذ الخمسينيات، لكن هذه المرّة في قلب المشروع الثقافي العربي الفلسطيني، بوصفه قضية كُبرى تتناقض بوضوح مع آخر مشروع استعمار استيطاني، كان نصيب العرب أن يزرع كيانه فيه ويشطره إلى شطرين.
وهذا ما يقوله إسماعيل ناشف في كتابه “طفولة حزيران: دار الفتى العربي وأدب المأساة” (2017)، ذلك أن النظرة الأولية على نصوص “دار الفتى العربي”، لا تترك مجالاً للشكّ بأن إحدى الشخصيات الرئيسية الفاعلة فيها تأسيساً وإدارة وطباعة ورسماً وتأليفاً كان محيي الدين اللبّاد، ومن ذلك كُتيّبا “الحروف في العربية” و”ألفبائية فلسطين”.
والكتيّبان مُرتّبان، كما يفيد، حسب الألفباء العربية، حيث لكلّ حرف منها هنالك مثال على شكل كلمة، ففي “الحروف في العربية”، لكلّ حرف أكثر من كلمة، وذلك لتوضيح التغيير في شكله بحسب موقعه في الكلمة في البداية، أو الوسط، أو نهاية الكلمة، أما في “ألفبائية فلسطين” فلكلّ حرف كلمة واحدة مرتبطة بثقافة المقاومة الفلسطينية وإرثها وتراثها.
ثم تبرز أهمية اللبّاد بشكل أوضح مع دراسة أدب الأطفال، وهو مجال واسع مثل بحر من المياه العميقة والسطحية، كان هذا الرسّام والمؤلّف والمنظّر الفنّي علامةً ينظر إليها ناشف من خلال دراسته نظرة المُقرّ بالعرفان والتقدير المستحقّ.
منذ عام 1953 بدأ اللبّاد بمراسلة هذه المجلّة “الحداثوية بامتياز”، والتي أشرفت عليها نخبة من المثقّفين عملوا على تحديث الثقافة الفنية في مصر إضافة الى تمصير وتعريب المجال الثقافي. ويلاحظ إسماعيل ناشف هذا الخضمّ، من خلال رؤية الأجانب لمصر قبل ثورة 23 تموز/ يوليو، بأنها كانت “كوزموبوليتانية”، بينما بعدها تنحو إلى التجانُس وهذا شيء سيِّئ وفق منظورهم، بينما كانت العجلة بقيادة حسين بيكار المدير الفنّي للمجلّة تضطلع بجذرية بهذا التمصير، وفي ذلك يرى ناشف أن علاقة بيكار واللبّاد الفتى وقتذاك كانت علاقة الأسطى والمتدرّب.
وهنا ستتشكّل لدى الفنان تحديدات ترسم طريقه، إن كان بالعزوف عن الشكل الكلاسيكي للوحة، أو الانتماء إلى الحداثة والهوية المصرية وكذلك التراث العربي والإسلامي.
وبما هي لحظة عصيبة نمرّ بها، اليوم، في حرب الإبادة على غزة فإن السجال حول “من نحن؟”، و”ما الذي نريد؟”، و”ما ينبغي وما لا ينبغي في الماضي والحاضر وفي المستقبل؟”، يبقى يتسرّب كما يتسرّب الماء حتى من صخرة صمّاء.
ممّا نعرفه بشأن مشروع “الفتى العربي” الذي استمرّ من 1974 حتى 1994، هو السجال الضروري حول الإطار الذي يقترح لعالم الطفل والفتى والشابّ، هل هو تعبوي هوياتي ضروري أم منفتح على الدلالات التي قد تجعل من الضروري الآن مستثنىً في الغد؟ وفي ذلك نستذكر انحياز الفنان التشكيلي كمال بُلّاطه، المدير الفنّي المؤسِّس الذي رسم الخطوط العريضة للدار، إلى ضرورة جعل الصورة والكلمة ذات طابع إنساني دون أن يضغط عليها التسييس.



