اراء

كثرة المشكلات الأوكرانية قد تؤذي العراق

بقلم: بروفيسور كمال مجيد..

بالرغم من المعارضة المتزايدة للكونغرس الأمريكي ضد مساعدة أوكرانيا، بسخاء متطرف، تلح الحكومة على أن الحرب في أوكرانيا “مصيرية” قد تلغي نفوذها كالقطب الأوحد في العالم. لهذا انها تبعث كل ما تحتاجه أوكرانيا من السلاح الذي ينتهي بقتل المزيد من  الأوكرانيين دون الأمريكان. والمرعب في كل مرة تصاب أوكرانيا بانتكاسة دموية ترفع امريكا كمية ونوعية  الاسلحة المرسلة، حتى  شملت العنقودية منها وحتى المغطاة باليورانيوم.

 دون الاهتمام بمصائب الشعب الاوكراني المقهور تؤكد امريكا ضرورة استمرار الحرب حتى يتم إسقاط حكومة الرئيس فلادمير بوتين بل وحتى يتم تقسيم روسيا الى دويلات تافهة.

والمتوقع ان تستمر أمريكا، بعد مقتل آخر جندي اوكراني، في عدوانها حتى  تبدأ بتهديد الصين الشعبية الساعية لنمو عالم متعدد الأقطاب. إلا أن فشل الهجوم المضاد بعد خسارة اوكرانيا لحوالي 20% من الأراضي ونصف مليون من المحاربين، بينهم 26 ألف مفقود وانتقال عشرة ملايين من سكانها الى أوروبا وانضمام اربعة ملايين أخرى لروسيا الاتحادية وسيطرة الثلوج على أراضي المنطقة خلال الشتاء القادم، كلها تشير الى احتمال انهيار أوكرانيا. هكذا يتنبأ الخبراء من امثال ضابط المخابرات الامريكي السابق سكوت ريتر والمستشار السياسي الامريكي العقيد ماكغورك وغيرهما.

هناك أيضا ً معارضة متزايدة ضد الحرب حتى بين حلفاء امريكا من أعضاء حلف الشمال الأطلسي. مثلا: كتب الصحفي الأمريكي الشهير سيمور هيرش قبل شهرين وأكد ان مصادره الموثوقة ابلغته ان ست حكومات أوروبية، بقيادة بولندا، طلبت، بصورة سرية من زيلينسكي، إنهاء الحرب “حتى على حساب استقالته.”

إن الأحداث الأخيرة برهنت صحة ما كتبه هيرش. إذ تدعو هنغاريا الآن الى إنهاء الهجوم على روسيا، مع استمرارها في شراء النفط الروسي دون انقطاع. قبل شهرين خرجت في براغ تظاهرة مليونية تحت شعار “إنهاء الحرب”.

هناك في بولندا مليون لاجئ أوكراني مشرد ليس لهم اي مسكن او مدرسة او مستشفى او طعام، أكثرهم من النساء والأطفال. ان هذا العدد الهائل عمّق المشاكل الاقتصادية لبولندا وشجعها على الامتناع عن تجهيز أوكرانيا بالسلاح. ويوم الاحد، 2023/10/1 خرج في وارسو مليون متظاهر يستنكرون غلاء المعيشة. علق التلفزيون البريطاني، بي بي سي، نفس الليلة بأنها كانت أكبر تظاهرة في تاريخ بولندا!

والاهم من كل هذا نجح في سلوفاكيا بانتخابات 30/9/2023 حزب “اتجاه الديمقراطية الاجتماعية” المعارض بقيادة رئيس الوزراءالسابق روبرت فيكو. وبهذا الخصوص كتب عمر نجيب في 3/10/2023 يقول (تعهد فيكو بأن سلوفاكيا لن ترسل “قذيفة واحدة” إلى أوكرانيا ودعا إلى تحسين العلاقات مع روسيا… ويتوقع المراقبون أن تحدث حكومة فيكو تغيرا جذريا في سياسة سلوفاكيا الخارجية لتلحق بالمجر الرافضة للحرب والعقوبات ضد روسيا.) مباشرة جمدت سلوفاكيا  التصدير.

في الحقيقة مع اتساع المشاكل الاقتصادية لكافة اعضاء حلف الاطلسي كثرت الانتقادات ضد استمرار الحرب بل وحتى ضد الحلف. لقد ادركت شعوب أوروبا الشرقية بأنها عاشت بسلام طوال حلفها مع الاتحاد السوفياتي. والآن تبين ان الديمقراطية الرأسمالية التي فرضتها امريكا عليها تعني الحرب والحرمان الاقتصادي. واكثر من هذا لقد عمت الخلافات العلنية على اجتماعات المجموعة السياسية الأوروبية في إسبانيا باعتراف مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل.

 لكل هذا انتقل الى جورجيا. حيث صرح الرئيس الروسي السابق ميدفيديف في شهر آب الماضي ان الحكومة تنوي ضم أبخازيا وأوسيتيا الى روسيا الاتحادية. كما صرح ((تعتزم البحرية الروسية إقامة قاعدة على ساحل البحر الأسود)) في أبخازيا التي فصلتها روسيا عن  جورجيا سنة 2008.  وقال رئيس أبخازيا أصلان بجانيا: “وقّعنا على  اتفاقية حول ذلك. في المستقبل القريب ستظهر قاعدة دائمة للبحرية الروسية في منطقة  أوتشامشيرا في أبخازيا…” هذا يعني خطورة بل عدم امكانية الهجوم على روسيا او أوكرانيا من شرق البحر الأسود.

من الجدير بالذكر في سنة 2008 قرر حلف الأطلسي باجتماعه في بوخارست ادخال جورجيا، مع اوكرانيا، كأعضاء في الحلف في المستقبل. مباشرةً، بعد ثورتها الملونة في تلك السنة، هاجمت جورجيا لاحتلال مقاطعتي أوسيتيا وأبخازيا. الا ان  الرئيس بوتين نجح في إيقاف جورجيا عند حدها، الامر الذي حوّل اهتمام الناتو نحو أوكرانيا.

الآن بعد ان فشلت امريكا هناك وفقدت الكثير من عطف بلدان أوروبا الشرقية، انتقل الاهتمام، من جديد الى جورجيا حيث تتمسك رئيسة الوزراء، على عكس الوزراء، بضرورة استمرار الحرب ضد روسيا ويغازلها الرئيس الفرنسي ماكرون بهذا الخصوص دون خجل. لكن غالبية الوزراء في تفليسي تطمح بتجنب آلام الحرب وتفضل البقاء على الحياد.

لا يبقى لأمريكا طريقا سهلاً لضرب روسيا او أوكرانيا إلا من الجنوب عبر جورجيا. وهذا يتطلب المجازفة بفتح جبهة جديدة، عبر إيران والعراق، مستخدمة ًالمناطق الكردية فيهما. منذ سنوات تقوم اسرائيل بتدريب الأكراد الايرانيين داخل اقليم كردستان. ولهذا طلبت ايران مؤخرا من حكومتي بغداد وأربيل إبعاد هؤلاء الاكراد بسرعة من قرب الحدود الايرانية قبل 19/9/2023. من السهل أن نرى تدريب أكراد ايران، الموجودين حالياً في حماية البارزاني، لكي يعودوا الى الداخل لمحاربة الحكومة ستعطي الحجة لأمريكا لكي تتدخل  لمساعدتهم. بالضبط كما فعلت مع اكراد العراق منذ الحرب ضد عبد الكريم قاسم وكما يحدث في سوريا في الوقت الحاضر.

علينا كشعوب المنطقة أن نعي أن امريكا لا تقبل بخسارة الحرب في أوكرانيا ولا بنمو واستتباب عالم متعدد الأقطاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى