فيلم «أوبنهايمر».. فشل هوليودي في إبراز إجرام القنبلة النووية

سليمان الحقيوي..
فيلم «أوبنهايمر» هو مسارات ومنعرجات وتنقّل عبر تفرّعات زمنية، دون تحديد تواريخ أو سياق.. كما أنّ المشاهد تنتقل بين التلوين والأبيض والأسود، بل تتغير أحيانا في منتصف المشهد نفسه. صحيح أن هذه الانتقالات لا تتخذ حدة فيلم «تينيت»، لكن مع ذلك يتسرّب لك الإحساس بأنّ بعضها مقحم، «نولان رغم خيبة تينيت التي كان مصدرها الأساس هو الارتجاج في خطّية السّرد لم يحِدْ عن أسلوبه، رغم أنه في «تينيت» بدا أكثر إصرارا على فكرة/ أسلوب، كان يمكن أن يتّخذ مسارا آخر، القليل من ذلك حاضر في «أوبنهايمر»، أنت مثلا لا ترى مبرراً لقطع الحديث في نقطة مهمة من التحقيق مع «اوبنهايمر» وهو بصدد شرح وجهة نظر ما، ثم العودة إلى الماضي فالرجوع إلى تكملة المشهد بجملة واحدة كان أنسب أن تقال قبل هذا القطع.
كانت خيبة مَنْ شاهد الفيلم في رؤية انفجار القنبلة بشكل آخر، غير تجربة تفجير قنبلة «فات مان» التي رأى فريق أوبنهايمر أنّ تجربتها أمر ضروري بعكس القنبلة الثانية، التي كانت مضمونة النجاح، دون الحاجة إلى اختبارها، كان التوقّع أن يكون انفجارا يدوم لوقت أطول، أو أن يكون فوق أرض هيروشيما وناكازاكي، ورؤية عبقرية نولان في تصوير الدّمار على أرض الواقع وأن يدوم الإشعاع على الشاشة أطول، ومشاهدة وقع الجحيم على الناس وعلى الأرض، كان ذلك كفيلا بخلق توازن بين فداحة الفعل، ونوع من التطهير على الأقل، لا شيء من ذلك التوقع حصل، كان الجميع متحفزا لشيء ما لم يكن موجودا في الفيلم، لكن بدل ذلك كان انعكاس الجحيم في تعابير أوبنهايمر، أي استنطاق هذه الفداحة عبر تعابير صانعها!
يستطيع الفيلم دون أدنى شك، هدم بعض الانتقادات التي واجهتها بعض أفلام نولان مثل افتقاد النهج السردي إلى العمق العاطفي، بحيث تصير الحبكة انتقالا ميكانيكيا يطغى على تطوّر الشخصيات ونموّها، فلا وقت أمام المشاهد للتواصل مع الشخصيات وبناء وجهة نظر إزاءها، بل على العكس في «أوبنهايمر» هناك عاطفة طافحة بيننا وبين الشخصيات، حتّى إن كانت شخصيات تقف ضدّ أوبنهايمر مثل لويس شتراوس، في دور بديع لروبرت داوني جونيور،وصار بإمكان الجمهور أن يكتشف موهبته بعيداً عن فضاءات استوديوهات مارفيل، أنت تحس من المشهد الأوّل أن وراء هذه الشخصية قصّة ما، هذه الملامح الخادعة المحتمية بجدية وحس نكتة مفتعل وشعور واضح بنقص مجهول المصدر، هذا الخليط تطوّر رغم ارتباك خط السرد في اتجاه سعيه للانتقام حتّى إن كان ذلك عبر القضاء على مسيرة أحد العباقرة ممن يعلم هو تحديدا براءته وكفاءته، الآن صار بإمكانه اختبار وقع تمثال الأوسكار بين اليدين، بل تجهيز خطاب لتلك المناسبة.



