مسيرة الأربعين.. فرصة للتأمل في أهداف النهضة الحسينية

يستغرق المسير الى محافظة كربلاء المقدسة أياما تصل الى 10 أو أكثر حسب المحافظة التي يتم الانطلاق منها، وطيلة هذه المسافة يُصاب الزائر بالجهد والارهاق والخلو بالنفس وهو ما يتيح او يسهم بطرح افكار بداخله عن ماهية اسباب الزيارة ولماذا تسير هذه الجموع المليونية صوب قبلة الاحرار الامام الحسين عليه السلام، وتبقى اجوبة هذه الاسئلة تحت مجهر التأمل بالنهضة الحسينية.
زيارة الامام الحسين، عليه السلام، في أربعينيته سيراً على الاقدام لمسافات طويلة تستغرق زمناً طويلاً، وتجعل الزائر والزائرة لساعات وأيام يخلون بأنفسهم، فمن الطبيعي أن يزيد التكلّم جهداً إضافياً على جهد المشي، فيفضل الزائر بشكل تلقائي الصمت، و ربما تكون علّة بث المراثي الحسينية عبر مكبرات الصوت على طول الطريق لكسر ملل الصمت واستبداله بالحماس وإثارة المشاعر.
الى جانب هذا الحماس من جانبي طريق المشاة، تعد الفترات الزمنية الطويلة فرصة للتأمل والتفكّر في اهداف ومبادئ النهضة الحسينية، والنظر فيما يحمله الزائر من سلوك وفكر وعقيدة، والتحقق من التطابق، حتى وإن كان نسبياً، فان كانت النسبة عالية، فهو خير على خير، أما إذا كانت أقل فهذا يعني ضرورة المراجعة بغية التغيير اعتماداً على جهد نفسي وذاتي خاص.
وعندما نضع أقدامنا في طريق المشاة الى زيارة أربعينية الامام الحسين، عليه السلام، نجد أن الاضواء الساطعة من النهضة الحسينية لا تدع زاوية صغيرة ومظلمة في النفس البشرية إلا وأضاءتها بالتصحيح والتصويب والإرشاد الى طريق الحق والفضيلة، وبشكل يبعث على الارتياح والانبساط النفسي.
واذا كان طوال الأشهر الماضية يفعل المنكرات، سيجد نفسه ينتهي بشكل عجيب عن كل افعاله الخاطئة، فهو لا يظلم، ولا يغش، ولا يسرق، ولا يكذب، بل يفعل العكس بملء إرادته؛ فيبذل ماله وجهده وفكره لخدمة دون مقابل، والسبب؛ إدراكه العقلي بأن ما كان عليه في السابق لا يتطابق مع ما عليه الامام الحسين من فضائل ومكارم، وما دامت الفضائل وقيم الحق كلها نابعة من الفطرة، فإن الماشي الى كربلاء يسعى جاهداً للحفاظ على هذه الفطرة الجميلة التي يعبر عنها القرآن الكريم بشكل دقيق بـ “الأهواء” لتغيّرها المستمر نحو الأفضل وعدم استقرارها على حال.
ونعتقد جازمين أن من بركات النهضة الحسينية علينا توفرها على أكثر من فرصة ذهبية للتغيير الذاتي وبشكل إرادي محض، متمثلة بالمناسبات الدينية على مدار السنة، بيد أن الفرصة الأكبر صادرة من الامام الحسين، عليه السلام، فنحن نشهد المشاركة المتنوعة من افراد المجتمع في مجالس الاستماع للفكر الحسيني، واللطم، والطبخ للزائرين، وسائر اشكال الشعائر الحسينية، وأخيراً وربما ليس آخراً في الخدمات المتنوعة على طريق المشاة في زيارة الاربعين، نجد مختلف المستويات حاضرة، وليس ثمة اقتصار على الملتزمين دينياً، او التقاة، او المثقفين والعارفين ببواطن النهضة الحسينية، إنما من شريحة واسعة في المجتمع كانوا بالأمس القريب يعدون “الموبايل”، وما فيه من مواقع تواصل، وألعاب، ووسائل لهو وإثارات غرائزية، هو متنفسهم الوحيد، والذي ينسيهم همومهم ومشاكلهم، أما هذه الايام، فان المواكب الخدمية والتوجه الى كربلاء المقدسة سيراً على الاقدام، هي المتنفس الأكبر والمفرّج عن الهموم والمشاكل، بل من خلالها يمكن صياغة الحلول.



