إياهم أعني

منهل عبدالأمير المرشدي..
بعيداً عن دهاليز السياسة وأكاذيبها ونفاق زعمائها، كان الحاج محمود يمتاز بالأخلاق النبيلة والحس المرهف، فضلا عن خفة الدم والروح الشبابية التي تؤطر كل مفردات حياته إلا انه كان يعاني من سلاطة لسان زوجته برغم إنها أستاذة في اللغة العربية وتتحدث دائما على وفق قواعد النحو والصرف، حاول الحاج محمود مراراً وتكراراً، ان يتغاضى عن ما يسمعه من ألفاظ تستفز كرامته ويتجاوز عن ما يتلقاه منها من عبارات قاسية برغم انه يتعامل معها بمنتهى الحب والرومانسية، لكنها كانت متطبعة على سلاطة اللسان والصوت المرتفع الذي يتناقض حتى مع ثقافتها المفترضة، باعتبارها متعلمة واكاديمية، فضلا عن كونها ابنة عمه.. لقد فقد صوابه واضفت تداعيات لسان زوجته تؤثر حتى على صحته، وساءت عافيته، مما اضطره اللجوء لأحد أصدقائه المقربين ويبوح له بهمومه ومشكلته مع ابنة عمه التي أمست نقمة عليه ومصدر خوف ينتابه كلما توجه الى البيت. استمع اليه صديقه وطلب منه ان يتحمل ويصبر وان يكون مسرفاً معها في مفردات الحب والرومانسية، عسى ان تتأثر بالغزل مثل كل النساء في الأرض، استمع بإصغاء الى نصيحة صديقه ووعده ان ينفذ كل ما جاء فيها. في اليوم الثاني أنهى الحاج محمود عمله وكان متعباً جداً ويشعر بالجوع والإرهاق وفي حالة نفسية يرثى لها، وصل الى بيته وطرق الباب وفتحت له زوجته فما أن رآها حتى قال لها أنا أحبك.. نظرت اليه بعين غاضبة واستدارت عنه وتوجهت الى المطبخ، فلحقها الرجل مذهولاً متعجباً، وقال لها: ما بك دوما في حالة حرب معي، وهل قلت كلاماً خاطئاً؟.
التفتت اليه وصاحت بوجهه: نعم انك لا تقول إلا الخطأ منذ أول ساعة رأيتك وجهك بعيني، وهل سمعت منك يوماً كلاماً صحيحاً؟. تحمّل الرجل ما سمعه منها وهو معتاد عليه طوال حياته معها وتحلّى بالصبر الذي أوصاه به صديقه وقال لها، وهل قلت كلاما خطأ يا حبيبتي؟ ألم أقل لك أنا أحبك؟ قالت له نعم كلامك خطأ وألف خطأ فأنت لا تحبني لوحدي فقط وسأشرح لك في التفصيل والإعراب. كلمة (أحبُّ) فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، فالمفعول به حكمه التأخير، ولو كنت تحبني لوحدي فقط لقدمت المفعول به وبذلك يفيد القصر عليَّ، فتقول إياك أحبُّ، أما قولك أنا أحبك فتعني إنك تحبني وتحب غيري.. اشرأبت عيون الرجل وتوافق التعب الذي يعتريه مع الغضب الذي حلَّ عليه وبقي فمه مفتوحاً مبهوراً مما تقوله زوجته، وما ان عاد اليه رشده حتى قال لها إياك أطلق..
أخيراً وليس آخراً، ليت ساسة اليوم بحكم زوج الحاج محمود، وليتني محموداً لأجمعهم بالنسق والتواتر، حسب حجم الكرش ولمعان الصلعة واصرخ بوجههم شلع قلع.. إياكم أطلق.. إياكم ألعن.. وأقول للفاسدين الجبناء العملاء.. إياكم أعني.



