اراء

عيد العمال والشعوب التي تتضور جوعاً.. لماذا لا يأكلون البسكويت ؟

 

بقلم: خالد شحام..

يصدف أن عيد العمال أطل في بداية هذا الشهر بصحبة تقارير مرعبة عن الحالة المعيشية لسكان القارة العربية، وربما أقسام أخرى من العالم وتدهور مؤشرات الاستقرار الحياتي، وارتفاع أسهم الخوف من المستقبل الضبابي، لم يكن أحد ليتخيل في أسوأ تصوراته بأن حالة العديد من البلاد العربية، ستكون بمثل هذا التردي أو أن بلداً بحجم مصر يتأرجح في أزمة مالية مهددة لاستقراره، أوروبا التي تغنت بثروتها واستقرارها ورفاه معيشة المواطن فيها لعقود طوال، جاء حَبُّها إلى الطاحون وربما لن تكون بحال أحسن مما في بلاد العروبة في الفترة القادمة .

يمثل عيد العمال تذكرة عالمية ومناسبة تقديرية من حكومات الدول لكل عامل منتج بمطلق المعنى، ولكنه يأتي اليوم لكي لا يفعل شيئاً ولا يحتفل بشيء، لأنه لم يعد هنالك عمال ولا عمل، بل لدينا يائسون ومحطمون وغارقون يتشبثون بأغصان جافة من عروق الحياة المتدلية من أعلى السور كي لا يقعوا وتتكشف أحوالهم، ولدينا بدلاً من العمل وبناء المستقبل انقلابات عالمية وتقنية وحسابات سياسية ربما ستحولنا جميعا إلى عبيد في ممالك العالم الجديد، هذه الاحتفالية الرمزية كانت لتكون حية وذات طعم ومدلول لو رجعت عجلة الزمان إلى حقبة السبعينيات والثمانينيات ولكن ليس في هذا التوقيت الحرج من ضمير الزمان والمكان حيث غابت كل المرجعيات وتبقت جيوش الرأسمالية تسرح وتمرح على الملعب لوحدها .

ربما حضر عيد العمال كجرس انذار للصحو على واقع اقتصادي تترصده نُذُر الفقر الشامل، لم تعد المسألة مجرد حقوق عمالية أو مطالبات بتحسين الرواتب أو تفاقم مشاكل البطالة والتضخم والغلاء والركود ونقص السيولة المالية، بل تعدت  وتحولت إلى كتلة مقيمة من الأزمات في عالم اليوم، عالم اليوم الذي يختنق بتورم كبير عالق في بلعومه اسمه الاقتصاد والمقتل الاقتصادي والذي تطلع به بشكل حصري سياسات الولايات المتحدة المتهورة والخطرة والتي تسوق العالم إلى حتفه من خلال الحروب والمؤامرات الضخمة الشمولية التي تطلع بها، لقد وجهت الولايات المتحدة ضربات عميقة في الاقتصاد العالمي، بدءاً من فبركة أحداث الحادي عشر من أيلول وفرض الأتاوة على العالم ومروراً بالأزمة المالية المفتعلة في العام 2008 وحتى خديعة كورونا القاتلة التي قصمت ظهر الاقتصاد العالمي حتى اللحظة ثم عاجلته بالحرب الروسية – الأوكرانية والتي ستكون مقتلا لكل الغرب ولن ينتهي الامر حتى تسمعنا الولايات المتحدة كل القصة التي بحوزتها.

إن الأحداث التي تعصف بهذا العالم منذ سنوات غير قليلة، حولت كل المناسبات العالمية إلى مسخرة وسخرية وأعلنت بأن كل الدول بدأت برحلة عكسية في تقدير القيم النبيلة وخاصة دولة العرب، لم يعد هنالك أي معنى لعيد العمال أو عيد الأم أو المعلم أو عيد الشجرة أو يوم الأرض أو كل تلك السلسلة الهزلية من الضحك على الذات في الوقت الذي قُتِلت فيه الأم وسُحِقَ العمال وحُرِقت الشجرة، لم يعد هنالك من وقت للاحتفال بأم أو شجرة أو عامل، لأن الكل مشغول في تراتيل الصلوات على الموتى والمعذبين والذين كتب الشقاء دفتر حياتهم، لم يعد هنالك من وقت لأحد كي يحتفل، لأن زمان الاحتفالات ولى وانقلبت بهجة الاحتفال الى خوف من الجوع ورعب من النظام العالمي العسكري الجديد الذي ينتشر عبر العرب مثل انتشار الجنرال كوفيد التاسع عشر .

يمكنكم أن تفهموا إلى أين وصل حال العمال والاقتصاد العربي والعالم الثالث من خلال بعض الومضات العالمية من الأخبار الصغيرة الكافية لكي تشرح لكم كل شيء عن هذا الحال الهزلي، يكفي خبر صغير من الغارديان حول مقابر تونس التي  أوشكت على النفاد والامتلاء بسبب فائض الموتى الذين يأتي بهم البحر من المهاجرين والذين هربوا من جحيم بلادهم والمصطلحات المعتادة في وصف شقاء الشعوب من البطالة وفرص العمل وارتفاع كلف المعيشة، يكفي أن تعرفوا أخبار الطبقة العاملة في لبنان أو فلسطين أو العراق أو اليمن أو غيرها وانعكاس ذلك على الطفل والمرأة وكبار السن وكامل أطياف المجتمع، لكي تفهموا حالة عمال هذا العالم وماذا فعلت بهم الحقبة الأمريكية العظمى من الظلم والجور وانعدام افاق الحياة .

هذا العالم تستولي عليه عصابة نزولا منذ أمد التاريخ ولا تزال هذه العصابة هي التي تصنع الفقر والمصائب والمآسي وتتسلى بمشاهدة احتراقه وعذاب البؤساء، العالم المعاصر لم يغب عنه لويس السادس عشر ولا ماري أنطوانيت ولا السؤال الخالد لماذا لا يأكلون البسكويت؟ هؤلاء اليوم تطورت أسئلتهم وأصبحت مثل: لماذا لا يموت كل هؤلاء الفقراء الذين لا نستطيع التخلص منهم؟ أليس من الممكن عمل حل رقمي لإخماد ثوراتهم أو إبادتهم بكبسة زر؟.

في الوقت الذي يتظاهر فيه عمال فرنسا وتشتعل البلاد بتظاهرة مليونية مطالبين بإلغاء قانون سن التقاعد وتستعد ألمانيا وبريطانيا لموجة تظاهرات وإضرابات جديدة ليس من العدل التصور بأن هؤلاء العمال مثل العمال لدينا أو في بلاد العالم الثالث أو الرابع أو الخامس، وليس من التصور بأنهم جزء من نسيج (نقابة العمال العالمية) ذات المطالب التقدمية، هؤلاء هم ورثة الغزاة الأوروبيين القدماء وأطماعهم ومستوى معيشتهم لا يسمح لهم بالتنازل عن أية مكتسبات لذلك هم يتظاهرون كي يدفعوا حكوماتهم لمزيد من الغزوات واعمال النهب الحضارية التي استنفذت كل هذا العالم، ولم يتبق لهم سوى التظاهر للإتيان بسياسي جديد مغامر يغزو العالم ويأتي لهم بمزيد من الرفاه والأجور والحياة المسروقة من شعوب الأرض البائسة، كانت مثل هذه التظاهرات فيما مضى تنقل لنا انتفاضات عمالية تطالب بقضايا حقوقية عادلة وتلهم الأحزاب والنقابات العربية بروح التحرر من الظلم والاستعباد، وتمنحهم القدرة على تشكيل معارضات وطنية نظيفة، اليوم غاب مشهد الحقيقة وحضر الغزاة الجدد واستولى الحكم العربي على المشهد وافترس العمل والعمل والنقابات وحولها إلى أوكار للحديث عن أهمية لفافات التبغ وإعادة تدوير علب الكولا وبيع الشيبس بنكهة الفراخ .

في معادلات العمل والعمال والاقتصاد داخل الأبعاد الجغرافية العربية، يعد كل هذا الكلام جزءاً من الديكور داخل الخيمة، لا يوجد عمل ولا عمال ولا إنتاج ولا ما يحزنون، لأنه لا قيمة للإنسان من الأصل في ظل أنظمة متحجرة دكتاتورية، لذلك يسقط كل شيء وتتحول البلاد إلى خرابات تتغطى بمكياج الحضارة والتمدن المخادع، الرأسمالية المتوحشة تفشت إلى عدوى فيروسية شديدة أصابت أطلال  الحكم العربي الاشتراكي تحت وسم المطرقة والمنجل ولذلك راحوا يتعاطون البزنس تحت شعارات قديمة مضحكة من الاشتراكية والتعاونية واليد الواحدة واتحادات العمال والبروليتاريا ونقابات المهن التي تحولت إلى قاعات للأعراس وخطوبة العنصرية، لقد تنازل الحكم العربي عن تقاليد العمل وخطط الانتاج ومفهوم الاقتصاد المحلي وانقلب الى المساعدات والكسب المالي السياسي السريع، من خلال التبعية والتوظيف والتوسط في المؤامرات، وداس على العمل والعمال في سبيل ذلك، لقد تم سحق العامل بكل صوره وصيغه، وتم خلق كل أشكال معوقات العمل وقوانين مستوردة من مؤلفات جحا المسكين لتناسب كرة خيوط متشابكة تعجز أعتى العقول عن فكها، إن العالم العربي يئن تحت وطأة العجز والضعف الاقتصادي المتبل بالسياسة الصهيونية للوصول الى هذا المستوى، لا داعي لأن أحدثكم عن الامكانيات الهائلة من الموارد والعقول والجغرافيا والمناخ والمياه التي جرى طرحها أرضاً والتي بمقدورها منح البقعة العربية سطوة تاريخية عظيمة تكتسح فيها اوروبا وآسيا وتناضد الولايات المتحدة، إن العجز الذي نعاني منه ليس طبيعياً ولا تلقائياً، إنه عجز وقصور سياسي مفبرك ومصنوع خصيصا لنا كي لا يكون لنا أي صوت أو أي مكان من التاريخ والمنافسة، إنه عجز قصده التهميش والوضع على رف الرقود الأزلي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى