أوراق تشرين بعين الـ BBC …

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
قناة الـ BBC التي تمثل لسان حال الدولة البريطانية عرضت فلما وثائقيا طويلا يتحدث عن مجريات ما أسماه مخرج الفلم بـ (ثورة تشرين ) . قبل أن أنقل ما شاهدته في الفلم لابد أن أؤكد قناعتي بأن حراكَ أو انتفاضة تشرين كانت تتناغم مع معاناة غالبية أبناء الشعب العراقي من سطوة الفساد والفسادين وقد تأملنا بها خيرا في أن ترتقي لمستوى الثورة الشاملة للتحرير والتغيير لإنقاذ الناس من الظلم وطواغيت السياسة سنة وشيعة وأكرادا ممن أوصلوا الحال بالبعض الى الترحم على أيام الدكتاتور المقبور بكل ما في حقبته من ذلّ ورعب وخراب ودمار لكنهم سرقوا تشرين وركبوا فوق سطوتها بدولارات السفارة وتغلغل العبيد الرعاع وتوافه الشذوذ وأزلام صدام بأموال رغد ومخابرات العربان . هذه هي الحقيقة التي أدركها الزملاء من الكتاب والأدباء والفنانين فانسحبوا من ساحات التظاهر بعدما شاهدوا بأم أعينهم حفلات الدعارة والمجون في المطعم التركي ومجزرة الوثبة ومهازل الناصرية . نعود الى ما عرضته قناة الـ BBC عن تشرين وما أدراك ما تشرين . يظهر في الفلم الذي يبدأ بمشهد ساحة التحرير واختار له المخرج صبية تدعى طيبة لتكون هي البطلة والمحور فكانت لا تشبه نفسها بوجه يدعو للتساؤل في مدى أصالتها العراقية فلا براءة ولا نقاء ولا سكينة . شباب من حول طيبة أو خلفها وأمامها يبكون أو يتباكون ويهتفون ( بالروح بالدم نفديك يا عراق ) . يتظاهرون بالمظلومية وأشباه حزن في العيون وبعضهم يواسي بعضا وبعضهم يحضن بعضا بما فيهم البطلة طيبة التي يحضنها الجميع بود وحب وألفة ورمانسية و( العرض واحد) . كان واضحا عليهم أنهم لم يجيدوا إتقان الدور بأن يؤدوا دور الثوار بل إن المخرج لم يكن موفقا في اختيارهم كما هو كاتب السيناريو الذي أقحم الفلم في تكرار الأهازيج ضد إيران بـ( أنت ايراني .. لا ) ومن ثم ( إيران بره بره ) وبعد تكرار تلك الهتافات لثلاث مرات أو أربع يأتي هتاف واحد بارد ومن دون حماس بتكشيرة طيبة لتقول ( أنت أمريكي … لا ) . وجوه (ثوار) الفلم من الشباب والصبايا تخلوا تماما من العفة العراقية كما تفتقد بهاء الدم العراقي النقي أو باختصار كما يقول المثل الشعبي العراقي ( تخلو من نور محمد ) . مشاهد تظهر بعضا من الرجال كبار السن يرتدون اليشماغ العراقي يهتفون وسط شباب من أشباه الرجال يرددون ما يملى عليهم أو ماتهتف به جماعة طيبة ويبدو أن مبلغ الـ 25 الف دينار الذي وضع في جيبه يؤدي فعله به .. في الربع الأخير من الفلم يعاد إظهار جملة مكتوب فيها 700 قتيل و17000 إصابة. رغم أنهم يعلمون أن أعداد ما يعلن من قتلى لم تثبت في دائرة الطب العدلي ولا في شهادات الوفاة كما هم أعداد المصابين لنعود ونسمع من يهتف بالروح بالدم نفديك يا عراق لمرة أو مرتين ليعقبه هتاف إيران بره بره خمس مرات و(لأنعل أبو ايران لأبوا أمريكا) . وتعود ( طيبة ) وشبيهاتها جنبا الى جنب مع شباب يطغى على وجوههم كل ما يدعو للريبة والشك والاشمئزاز يصرخون أنت إيراني . لا .. أنت إيراني لا .. وتتكرر هذه الجملة أربع مرات ليتم رش الرماد في العيون بجملة باردة وسط تكشيرة ( طيبة) الطيبة جدا أنت أمريكي . لا . لقد اختصرت البي بي سي تشرين وما فيها كما تشاء وبما تريد أو ترى لكنها كما يبدو اختارت مخرجا مبتدئا وسيناريست دون ذلك لا يعرفان شيئا عن حقيقة المجتمع العراقي ولا حتى عما جرى في تشرين فيما كشفت الـ BBC عن حقيقة ما تبتغي حين أنهت فلمها الوثائقي الفاشل والخبيث جدا بالجملة التالي ( ما زالت الثورة معلقة إلا أن الجميع يأمل اندلاعها من جديد ) . بقي سؤال واحد فقط لا غيره .. لماذا ينتج الفلم ويعرض الآن مع حكومة الأخ السوداني ؟



