ماكرون بين سخرية طاولتين… واحدة أخفى تحتها ساعته الثمينة.. وقبلها التي أجلسه بوتين على طرفها

بقلم: الدكتور عمار براهمية..
تداولت وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي فيديو للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في إحدى الحصص التلفازية، حين فضحت الكاميرا حركته تحت الطاولة لنزع ساعته الثمينة لإخفائها بعد أن ظهرت على يده، فمن نبهه بذلك؟ وهل ينال بالاساس قدرا كافيا من الملاحظات قبل لقاءاته وخرجاته الاعلامية؟ أم ان التطورات المتسارعة في فرنسا جاءت بما لا تحتمله ديموقراطيا لدرجة تصدع تماسك مؤسساتها المنتخبة امام تناقض المطالب الشعبية والبرامج الحكومية وما تقتضيه الصعوبات الاقتصادية، والسؤال المهم: هل فشل ماكرون في سياسته مثلما فشل في حركة إخفاء ساعته؟، خاصة أنه لم يعد يمتلك من الاوراق ما يمكنه من احتواء الاحتقان الاجتماعي المستمر في فرنسا بسبب مقترح تدني مستويات المعيشة وتعديل قانون التقاعد.
وبعيدا عن إخفائه لساعته الباهضة هل يتمكن الرئيس الفرنسي من اخفاء نتائج سياسته الخارجية الفاشلة التي لا تقل فشلا عن برامجه ومقترحاته الداخلية، التي يرفضها الشعب الفرنسي؟
كل هذه الملاحظات تعيد للاذهان موضوع التلاعب بمستويات المعيشة في فرنسا التي كانت تقتات من افريقيا لعقود، لكن مع تراجع النفوذ الفرنسي الفاسد في القارة السمراء سقطت شعارات الاستعلاء الحضاري وانكشفت عورة السياسة الانتهازية، وسط تصاعد وتيرة الاحتجاجات المطلبية بمظاهر عنف بين الشرطة والمتظاهرين في الشارع الفرنسي بشكل لم تشهده حتى الدول التي تطالها تقارير الغرب بدعاية حقوق الانسان المفضوحة مؤخرا في ظل تنامي العنف المتبادل بين الشرطة الفرنسية والمتظاهرين، فأين هي ادعاءات الديمقراطية وغيرها من افتراءات الغرب؟
خاصة أن عدد المصوتين لصالح مقترح ماكرون بخصوص قانون التقاعد المعدل لم يتعدى 9 اصوات، فهل هناك مبرر لاستمرار حكومة الإيليزيه؟ لتنذر هذه المعادلة عن تحولات كبيرة شبيهة بقيام جمهورية جديدة تراعى فيها الظروف الفرنسية المستجدة، بسبب تراجع مواردها الاقتصادية المرتبطة بالهيمنة الاستعمارية بالاضافة لوقوفها على حقيقة ضعف مكانتها أمام الحلف الانجلوسكسوني الذي عاقبها اقتصاديا في صفقات عسكرية ذات ابعاد اقتصادية،
واللافت للنظر ايضا أن المجتمع الفرنسي صار يعاني من وقع استمرار الاتحاد الاوروبي في حالة من التناقض بين دوله التي صارت تبحث عن مزايا فردية بعيدا عن التوافقات السابقة التي كانت تُفرض في اتفاقات شراكة الاتحاد مع غيره من الدول خاصة التي تقع جنوب المتوسط، لينقلب السحر على الساحر ولتشرب فرنسا من كأس خسارة مكاسب نقاط التفاوض التي كانت أقوى تحت مظلة الاتحاد الأوروبي المتراجع في دوره الاقتصادي على وقع تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا، والخاسر في تحالفه مع الولايات المتحدة الامريكية ضد مصالح دوله.
وهنا تتبين معالم التوجهات الفرنسية مستقبلا فإما اعلان الإفلاس الاقتصادي لتبني اصلاحات جوهرية قد تصل لحد الانفصال العلني عن اتفاقات الاتحاد الاوروبي او الاستمرار في حالة التغييب الخارجي المفروض غربيا في ظل تنامي تعددية قطبية لن تُبقي على قواعد تقاسم الثروات لصالح القوى الغربية، لانها لم تستجمع بعد قواها من وقع صدمة قرارات الرئيس الروسي بوتين الذي قرر وضع النقاط على الحروف لعالم سيمضي قدما نحو تحولات أساسها تعدد الأقطاب والتوازن في القوى وعدالة الزامية في المعاملات الدولية.
وبالرجوع لموضوع الأوضاع الفرنسية وما تمر به من ظروف داخلية وخارجية يمكن تشبيه ذلك بتجارب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مع الطاولات السياسية وتبعاتها الاعلامية، التي سيسجلها التاريخ الحديث في خانة أشد المواقف احراجا في ظل تراجع شعبيته داخليا وضغوط العلاقات المتعثرة خارجيا.
والبداية كانت من الطاولة الروسية التي وضعه بوتين على طرفها البعيد لتفسر المسافة بين الرئيسين حينها على انها رسالة ديبلوماسبة فيها إذلال وتعبير عن اختلاف كبير في الموازين وتناقض واضح في المواقف، على قدر تباعد طرفي الطاولة، ليعود ماكرون مرة اخرى الى الواجهة الاعلامية بالطاولة لكن هذه المرة بموضوع نزع ساعته الثمينة تحتها، ليصبح بذلك ماكرون موضوعا للسخرية العالمية والسبب هو نفس الطاولة السياسية لكن بين وقع الهزات الداخلية والصدمات الخارجية.



