سوريا تحتاج إلى هبة عربية قبل الزلزال وبعده

بقلم/ اسيا العتروس..
تخيلت للحظات اثناء متابعة استقبال الرئيس الفرنسي في إليزيه نظيره الأوكراني زيلنسكي قبل التوجه للمشاركة في القمة الأوروبية في بروكسيل وهو يردد أنه لن يتخلى عن أوكرانيا حتى تحقق الانتصار، تخيلت أن حاكما من الحكام العرب أو من يمثلهم قرر التوجه إلى تركيا وسوريا في خطوة رمزية لدعم الشعبين في هذا المصاب الجلل بعد الزلزال الذي ضرب البلدين وأدى إلى مقتل واصابة الآلاف وتشريد الملايين في كارثة طبيعية لا يمكن لأي بلد مواجهتها منفرد.
وسيشهد الناجون من الزلزال يوما على حجم المعاناة، ولكن أيضا على مسؤولية المجتمع الدولي بشرقه وغربه في مدى الاستجابة لنداءات الاستغاثة وللأصوات المتسللة من تحت الانقاض..
ولكن لا شيء من ذلك حدث بعد مضي ثلاثة أيام ولا نخاله يحدث …وربما سيتعين الاقتصار على المساعدات التي بدأت شحيحة في الساعات الاولى ولكنها بدأت تتكثف مع دعوات الاستغاثة من تركيا وسوريا وتواتر الصور والتسجيلات عن هول المأساة التي اعتبرت وكأنها ساعة القيامة.. وقد يكون في ذلك مؤشر ربما على صحوة انسانية “قطرة – قطرة” وعلى تحرك عربي للتضامن مع الشعب السوري في هذه المحنة التي سيشهد الناجون من مختلف الاجيال على ثقلها وسينقلون للعالم شهادات ستظل محفورة في الاذهان وستحكون أشبه بمحكمة التاريخ عندما ينقلون معاناتهم طوال ساعات من الترقب والهلع وصول فرق الاغاثة اليهم وانتشالهم من بين ذويهم الذين طمروا تحت الركام … والأكيد أن محكمة التاريخ ستسجل أيضا أن هناك أمماً وشعوباً سجلت حضورها بقوة وتحركت لإغاثة الضحايا وأن هناك من تقاعس وتردد وتجاهل الصرخات المدوية للضحايا تحت الأنقاض، وانتظر ضوءاً أخضر من هذا الطرف أو ذاك لنجدة أطفال سوريا ونسائها ورجالها المطمورين.
والأكيد اليوم وأكثر من أي وقت مضى، أن الأولوية يجب أن تكون لإدخال المساعدات وإنقاذ آلاف الارواح التي لا تزال تحت الانقاض … والتعجيل بالوصول إلى المناطق المنكوبة بمعنى أن كل ساعة وكل لحظة تمر يمكن أن تكون حاسمة في عمليات الانقاذ التي تحتاج الى الكثير من الدقة لتحديد مواقع وجود الاحياء بعد مرور اربعة أيام على الكارثة وربما تراجع قدرة الكثيرين على ارسال اشارات أو إطلاق الاصوات والانذارات على وجودهم.. الاكيد اليوم أن المعركة تتعلق بمصير آلاف البشر وهناك سباق ضد الزمن للتحرك والوصول إلى من يحتاجون إلى المساعدة ولعل في الصرخة المدوية التي أطلقها المنسّق المقيم للأمم المتحدة في سوريا المصطفى بن المليح لترك الحسابات السياسية ما يفترض أن يجد له موقعاً وآذاناً صاغية لدى صناع القرار والمتحكمين في خارطة توجه المساعدات من واشنطن إلى بروكسيل… “ضعوا السياسة جانباً ودعونا نقوم بعملنا الإنساني.. فلا وقت للانتظار ولا وقت للتفاوض”.
فقيمة الحياة البشرية لا تفرق بين عربي وغير العربي وانقاذ القابعين تحت الركام مسؤولية الإنسانية تتطلب كل الوسائل والامكانيات البشرية والمادية وكل تأخير في جهود الإغاثة يعني بكل بساطة مزيد الضحايا…طبعا لسنا في إطار مناقشة الاسباب التي ادت إلى اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا فالظرف اليوم يقتضي النظر إلى ما هو أخطر والأخطر مرتبط بالمأساة الإنسانية في المناطق المنكوبة في سوريا وتركيا.
الاكيد أن المجتمع الدولي لم يتأخر حتى الآن في نجدة وإغاثة الاتراك وتركيا تظل بعلاقاتها الدولية المتينة وعضويتها في الحلف الاطلسي أقرب للحصول على المساعدات مقارنة بسوريا المحاصرة بعد عقد من الصراعات الدموية والانقسامات وقساوة الطبيعة، لا خلاف أنه لا مفاضلة عندما يتعلق الأمر بحق البشر في الحياة وحق السوريين في الحياة والإغاثة وفي المساعدات من أغذية وخيم وأغطية مسألة لا تقبل التأجيل ولا يمكن أن تظل مرتبطة بالحسابات السياسية والخلافات والصراعات التي يفترض تأجيلها، لان الوقت سيف حاسم وكل لحظة تمر يمكن أن تساعد في تخفيف المعاناة وانقاذ الأرواح… تؤكد لغة الارقام أن سبعين بالمائة من السوريين لن يتمكنوا في المدى المنظور من الحرب والحصار والأزمات المتتالية.. فهل من مجيب؟.



