أحزاب وأنساب وألقاب

بقلم/ منهل عبدالأمير المرشدي..
في قراءة سريعة لتأريخ الأحزاب والحركات الجماهيرية الكبرى على مستوى العالم، نستشف حقيقة جامعة بين الغالبية العظمى منها، ثمة قاسم مشترك يكاد يطغى على جميع قياداتها والمؤسسين لها، سواء أكانت في أقصى اليسار أم في أقصى اليمين، دينية العقيدة أم ليبرالية الفكر، فلابد أن يكونوا من ذوات الفكر والثقافة أو من عوائل معروفة ذات إرث سياسي، بغض النظر إن كان ذلك الفكر مؤطرا بثقافة التطرف أو الانفتاح والإيمان أم الإلحاد، على سبيل المثال لا الحصر، لو جئنا الى الحزبين المتنافسين في الولايات المتحدة الأمريكية، فأن الحزب الجمهوري تأسس على يد ناشطين مناهضين للعبودية ومفكرين محدثين اقتصاديين في العام 1854 حيث اعتمدوا دعم التجارة الحرة، فيما تأسس الحزب الديمقراطي في العام 1828 بقيادة كل من المفكّر توماس جيفرسون وجيمس ماديسون المناديين بالحرية والليبرالية المطلقة، مما يجعله أقدم حزب سياسي في العالم. إذا ما أخذنا الحزبين الأكبر في المملكة المتحدة، فأن حزب العمال في بريطانيا نشأ من تأييد قيادات الفكر العمالي الحر للنقابات العمالية ورؤساء مجموعات اشتراكية وجمعية فابيان الفكرية والاتحاد الماركسي الاشتراكي وحزب العمال الأسكتلندي، بينما كان حزب المحافظين من نتاج التلاقح الفكري للحزب المحافظ والوحدوي في عام 1912. نستشهد أيضا بالحزب الشيوعي الروسي الذي انبثق بعد الثورة البلشفية في سنة 1917 بقيادة فلاديمير لينين حسب ايديولوجيا الاشتراكية والماركسية الينينية والشيوعية في اقصى اليسار. الى هنا نتوقف عن الاستدلال على ماهية القدرة الفكرية والإمكانية المالية التي يمتاز بها رؤساء الأحزاب في امريكا وغيرها، مما يؤكد لنا ان ما يميز مؤسسي الأحزاب هو الفكر والثقافة والثراء، فماذا يمتاز به رؤساء احزابنا التي تشكلت لدينا؟ من الناحية الأكاديمية والعلمية، فلا ضير ولا غرابة ان يكون بعض القادة والزعماء ورؤساء الكتل والأحزاب لدينا يحمل مؤهلات (يقرأ ويكتب) أو صاحب شهادة مزوّرة أو كان مداناً سابقا من القضاء ومتهما بجرائم ارهاب. ليس غريبا ان يكون رئيس كتلة كبيرة ويمثل طائفة كبيرة وهو لا يملك من المؤهلات سوى لقب (شيخ) وليس له من سفر التأريخ إلا سواد الوجه أو ما يندى له الجبين، المهم عندنا ولدينا ليس ما كان عليه رئيس الحزب أو القائد أو الزعيم بل ما سيكون عليه بعد الترؤس والزعامة والثراء من مال وارصدة وقوة. كل شيء لدينا بالمقلوب، كل شيء لدينا خلاف المنطق وكل ما يناقض البديهة.
من هنا نعود الى مسلماّت البديهيات التي تقول، حيثما كانت الأسباب والبدايات خاطئة ناقصة مشبوهة، كانت النتائج خاطئة ناقصة مشبوهة، نحن نعلم ان عالم السياسة يجمع بين المتناقضات ولا يرتكن الى الثوابت الأخلاقية قدر ما يرتكن الى عالم المصالح العليا لأصحابه ذات الصلة ببرنامج الحزب في خدمة المجتمع الذي تأسس به، لكنه لدينا ينسلخ من عالم المصالح للبلاد والعباد، ليؤسس الى امبراطورية عالم الطواغيت بالمال والسطوة والقوة لأرباب الجهل واللصوص، ممن لا يخشون ولا يستحون، فحقّ لهم ان يفعلوا كل ما يشاؤون ولا عتب عليهم ولا هم يحزنون.



