ماذا يجري في لبنان ؟

بقلم/ فؤاد البطاينة..
لبنان خاصرة فلسطين والعرب، وأزمتها شأن عربي مع الصهيونية بامتياز، ولا بدَّ من تحسس هذه الأزمة ومآلاتها، فما كان لبنان يوماً إلا مستنقعا سياسيا يبدو الخوض فيه سهلاً ولكنه في الواقع عسير ومن يدخله دون علم به فسيُطمر فيه. الوضع في لبنان اليوم ليس له مثيل بالسوء في عالم الدول. وهذا ليست صدفة ولا لمجرد التنوع الطائفي وتقاليد المحاصصة، بل بسبب هجمة “إسرائيلية”- سعودية استخدامية على طبيعة هذا التنوع وتقاليده في الحكم بهدف الإجهاز على هذا القطر بتأكله من الداخل كما سيلي توضيحه، ولاسيما أن كل زعامة لكل طائفة متفرعة من المسيحية أو الإسلام، أصبحت لها مرجعية خارجية وتمتلك حق الفيتو على أي قرار، وحل في لبنان مبدأ اتخاذ القرار بالإجماع المستحيل تحققه، محل مبدأ التوافق المنطقي والممكن، وكأن القرار أصبح يتخذ على مبدأ مجلس الأمن والدول الدائمة العضوية فيه، بعد أن كان يؤخذ على طريقة الجمعية العامة.
الصراع الأساسي والموضوعي في لبنان هو بين إيران و”إسرائيل”، ويديرانه بواسطة زعامات أطياف المكونات اللبنانية. وبينما تعتمد إيران على حزب الله، فإن اسرائيل تستعين بالسعودية وتنسق معها في كل تفاصيل المشهد اللبناني. لكن حزب الله أو الثنائي الشيعي كما يقال وحده المتماسك في بنيته ومواقفه، وكذا حزب القوات اللبنانية. بينما بقية الأطراف اللبنانية أصبحت زئبقية التماسك وبعضها انتشر شظايا مما زاد في ارباك المشهد. وهذا الصراع القائم على افتراس لبنان، المستحيل بوجود المقاومة يأخذ اليوم شكل المواجهة بين طرفين، هما السعودية بأيدٍ لبنانية بغرض الإطاحة بحزب الله أو سلاحه لحساب اسرائيل، وحزب الله الذي يهدف لمواجهة هذا الغرض. وكانت الوسيلة لتحقيقه هي الحرب الأهلية التي وصلت لطريق مسدود بعد رفض سعد الحريري التنفيذ وهذا يُقدر له ثم لفشل بديله جعجع من بعده في تنفيذ المهمة، بسبب قرار حزب الله بامتصاص كل الاستفزازات الهادفة لحرب أهلية ومن أبرزها حادثة الطيونة التي أوقعت قتلى بصفوف أمل وحزب الله احتسبوهم فدوة للسلم الأهلي بالمجان.
وكان البديل عن مخطط الحرب الأهلية، هو ايقاع لبنان في أزمة حكم وفراغ بالسلطة يترافق مع انهيارات سياسية اقتصادية ومالية واجتماعية تصيب كل بيت لبناني وإيصال لبنان الى طريق مسدود قيد الاذعان للمخطط الصهيو أمريكي.
ولعل من أكبر التحديات السياسية في لبنان للخروج من الأزمة، هي مسألة استعصاء انتخاب رئيس للجمهورية. فليس من أولوية في لبنان تتقدم على هذا الاستعصاء كون رئيس الجمهورية هو الركن الأساس في الدولة واستمراريتها. وما يجب أن يكون معروفاً لدى الجميع أن هذا الاستعصاء مرتبط مباشرة بهدف النيل من المقاومة وسلاحها كهدف اسرائيلي تضطلع السعودية بتنفيذه بأيدٍ لبنانية. ولهذا الغرض تشكلت حقائق وحيثيات جديدة غير مواتية على الساحة السياسية اللبنانية، ولا بدَّ من بسطها هنا على هدف التفكير بمخرج يحفظ لبنان وشعبه وعروبته وسلاح المقاومة. وأرى هذه الحيثيات المستجدة من متابعتي الحثيثة للتطورات، كالتالي وباختصار.
1ـ انفراط عقد تكتل 14 أذار (تيار المستقبل، القوات اللبنانية، الكتائب، وحزب التقدمي الاشتراكي) وحل تيار المستقبل، حيث لم يعد قائما على لسان الحريري وبقرار سعودي. وتشرذم نوابه السنة بين الكتل المختلفة. واتخاذ السعودية من سمير جعجع كرجلها في لبنان بديلا عن سعد الحريري، كونه متحمساً لمواجهة حزب الله ويمتلك ميليشيا عسكرية مسلحة ومدربة. ولا ننسى هنا عامل رفض جنبلاط التجاوب معه في مخطط الحرب الأهلية باعتراف جنبلاط نفسه.
2 ـ وعلى الجانب الآخر تضعضعت اتفاقية مار ميخائيل بين حزب الله والتيار الوطني الحر بسبب اصرار حزب الله على ترشيح سليمان فرنجه للرئاسة ورفض جبران باسيل وريث رئاسة التيار لهذا الترشيح بالمطلق. ولم يعد ممكناً حسم الكثير من الأمور وخاصة كرسي الرئاسة إلا بوقوف التيار الوطني مع طرف ما. ومن الصعوبة بمكان ان يحدث هذا نظراً للشروط التي يضعها باسيل جبران لنفسه وأهمها ما ينطوي على حصوله على الثلث المعطل في مجلس الوزراء القادم. أخذين بالاعتبار أيضاً عدم ثقة سمير جعجع بالتيار الوطني إثر اتفاقية “معراب” التي اوصلت مشيل عون للرئاسة، وعدم إيفاء الأخير بوعوده فيها الى سمير جعجع.
3 ـ أفرزت الانتخابات الاخيرة وفي إطار ما سُمّي بثورة 17 تشرين قوة ثالثة عندما انجحت 12 نائباً يسمون بكتلة التغييرين ككتلة ليست من أي من القوى الثلاث القائمة جعجع وباسيل والمقاومة، إلا ان التغييرين هؤلاء يجمعهم الوقوف ضد المقاومة وسلاحها ويجعلون من أنفسهم بيضة القبان في أية انتخابات.
والآن، لو نظرنا الى تركيبة القوى الانتخابية في مجلس النواب المعني بانتخاب رئيس الجمهورية، نجد أن حزب القوات اللبنانية يمتلك عشرين نائباً من صلبه إضافة إلى نحو 25 نائباً من الحلفاء ليصل الرقم الى 45 وهو رقم يؤهله الى إفقاد النصاب لأية جولة أولى أو ثانية لانتخاب الرئيس، إلا ان هذا العدد غير كافٍ لإنجاح رئيس في الجولة الثانية إذا حصلت شروطها من ناحية، وإذا اكتمل نصاب عقد جلستها من ناحية أخرى. بينما يمتلك معسكر حزب الله 28 نائبا شيعيا (حزب الله، وأمل) ولديه من الحلفاء إذا التزم التيار الوطني باتفاقية مار ميخائيل ما يوصله الى 65 نائباً وهو الرقم اللازم والكافي لإنجاح رئيس في الجولة الثانية في حالة حصول نصاب عقدها، وهو 85 نائبا من 128. وهنا نذكر أيضا بأن حزب القوات اللبنانية وحلفائه قادرون اعلى اسقاط نصاب الاجتماع في أي من الجولتين.
قد يقال بأن وقوف باسيل مع أحد الطرفين يحسم الموقف وهذا صحيح، بل وقوف أي طرفين مع بعضهما يحل الأزمة. لكن هذا قد يكون ممكناً لباسيل مع حزب الله إذا فكر بالتنازل فقط عن جزء من مطالبه وأهمها حصوله على الثلث المعطل في مجلس الوزراء القادم. علماً بأنه (أي باسيل) اجتمع مع سليمان فرنجية مرشح حزب الله للرئاسة ورفض شروطه، وحاول التنسيق مع جعجع بواسطة البطريرك ورفض جعجع لقاءه، أما التغييريين فهم مستعدون للتنسيق مع جعجع ضمن شروط لهم.
ولذلك لا حل ولا مخرج إلّا بالتوافق، والتوافق ليس مسألة رغبة أو عدم رغبة لأي طرف، بل أصبح ضرورة تفرض نفسها من واقع ما مر ذكره من معادلة انتخابية داخل المجلس، إذ لا يمكن أن يقبل عاقل ببقاء لبنان بلا رئيس ورئاسة ويفتقد لمكونات الدولة. والمنطق والعقل يقول بأن أسهل وأسلم التوافق للجميع هو على شخص سليمان فرنجيه كشخصية رئاسية جادة تحظى بمصداقية ودماثة خلق، وهو كشخص على علاقة احترام مع خصومه كما أصدقائه، وشخصيته غير استفزازية لطرف حتى خارج لبنان كالسعودية وأمريكا. وإذا كان جعجع يصرح بعدم قبوله للتوافق فما هو البديل، وهل يقصد جر لبنان وشعبه الى الهلاك على مذبح الأطماع الصهيونية كخطة بديلة عن الحرب الأهلية. هذا سؤال مطروح على الشعب اللبناني وكل زعاماته وطوائفه.



