اخر الأخبارثقافية

عبد الحسين فرج.. الراغب بالموت في زحمة الحروف

 

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الكاتب والناقد عبد شاكر، ان الشاعر عبد الحسين فرج الراغب بالموت في زحمة الحروف، شاعر حر صنع جناحيه من الريح، حتى شربت الأوراق دماء أقلامه القديمة، فأنجبت قصائد من نار وماء وعسل.

وقال شاكر في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: ان عبد الحسين فرج، الشاعر الموجع والموجوع، الذي تقاسمته مدينتان مكتظتان بالشعر والفجائع، “البصرة” مسقط الرأس، والنور الأول الذي شكل ملامح هذا الإنسان الكوني الرائع. و(الثورة) مدينة المبدعين والثوار والفقراء. المدينة التي انحدر منها من رداء الفقر الذي كان يلفها فصار ابناً باراً لها وله. شاعر محب أدمن الوحشة فجعل منها عاصمة لإبداعه ودرره الموغلة بالوحشة (منذ انطفاء سيجارة أبي لم أبصر عود ثقاب يضيء) هكذا يعلن عن نفسه بصرياً نازحاً، ثورياً فقيراً، لا شيء يلفه غير الفقر والفاقة واليتم ثم السجن فالوحشة. هو من القلائل الذين تنزلق القصائد من بين أيديهم واثقة من نفسها ثقة منبثقة من تجارب حياتية وسياسية مرة (غضبت أغنام القطيع على الراعي لأنه أطعمها ذهباً).

وأضاف: ان عبد الحسين فرج شاعر حر صنع جناحيه من الريح، حتى شربت الأوراق دماء أقلامه القديمة، فأنجبت قصائد من نار وماء وعسل. الوحشة علامة حياته وكتاباته المميزة وهو يلتحف فراشاً قديماً داخل غرفة أضيق من خلق متطير، دائما ما كانت تذكرّه برطوبة وليل الزنازين، ينام في زاويتها شبه المظلمة مدمراً من عزلة قاتلة ليحلم بالكوابيس، مدن سُود، نسيج من ألوان دموية، آلات حفر عملاقة، طائرات حربية، قتلة، كلاب، خناجر، مسدسات، قلاع، سجون، سماء مصفرّة، أفق مشرّب بحمرة كئيبة، وجوه بلا ملامح، بشر بلا أطراف، بساطيل ومجنزرات عسكرية، جستابو، عسس، أحجار بألوان غريبة، هياكل عظمية، فوانيس خابية وأخرى مطفأة، أمطار من نار، سكك حديدية تسكنها الأشباح، فنارات، مداخن، مدافن، أقبية وزنازين ومشانق، قرى تتدارى خلف عباءة الموت. لكنه ما أن يستيقظ ليغسل وجهه بندى الصباح، حتى ينتج لنا قصائده عالية الجودة بصدقها ووحشتها حتى كأنها تمشط شعر دجلة بأمشاط من جمر ونار (في اللوحة باب لن يُفتح أبداً).

وتابع: صحيح أن الوحشة والصمت والقلق أشياء تلفه أبداً. لكن تلك الأشياء لم تستطع أن تمنع قصائده من الصهيل (رجل من هموم، هكذا أنا، أحلامي لا تنتهي، وجيوبي مليئة بالأصدقاء) هو لم يمنع نفسه من إقامة فراديسه الباذخة فوق مسافات أي أرض داخنة بالحروب والكراهية.

وأشار الى ان عبد الحسين فرج، شاعر يكتب باختزال كبير ملخصًا كل آلام الإنسان المعاصر بمفردات لا تتعدى أصابع الكف، فتشعر كما لو انه (غابة أصيبت بخاصرتها) أو (مثل جريح ينزف من الداخل) على حد تعبير الخالد ناظم حكمت. روحه معطوبة بحرائق الحروب وسنوات السجون الطويلة المصبوغة بدماء الضحايا والمسكونة بهلع المعذبين (أنا تاريخ الحزن، وشجر الحكمة، كلما هزّتني ريح، تتساقط على رأسي الحروب). هو من القلائل الذين يشعلون حرائقهم في متون قصائدهم المفجعة، ليترك لنا عملية أن نوقد النار بثيابنا البالية أو بخصلات شعرنا المشتعلة شيبًا، إنه باختصار يمارس علينا جميعا “نذالة إبداع مفرطة”.

وأوضح: من الحق القول إن الأقدار أرادت أن يخرج هذا السجين من أقبية السجون لينتصر لإرادة الشعر، وهي تتسافل على أيدي الكثير من المتسلقين ولوطيي ثقافة الصالونات الثقافية المتسترة برداء الوعي. لأنه سرعان ما أدمن الوحشة حين صدمه عهر الواقع الذي كان سجنًا من نوع آخر، فآثر أن تكون الوحشة شكل حريته النهائي، لهذا تراه يعيش حرّاً، لا شيء فوقه غير زرقة سماء القصائد، وأمنية غالية يسعى إليها باستمرار بكل ما أوتي من قوة تتمثل في أن يصل يوماً إلى ساحل ما (ليست الأيام من العمر، هي أسرع ما تنقضي).

وواصل: (فيما بينها تتخاطب الغيوم، في أي وطن ننام هذا المساء؟). وهو أيضًا ممن أتعبتهم طرقات الحرمان والاغتراب، فقرر أن يعود إلى الوحشة هربًا من خراب الحياة، متيقنًا من استحالة أن يقطع مسافة غربة الأوطان الشاسعة بروح معاقة، لهذا تراه لا يستسلم لشيء اسمه عوق الروح (رقيق هو الليل.. لهذا يسهل منه النفاذ) تراه متيقنًا من أكذوبة كبيرة تدعى الوطن، فلا يتوانى عن رفع الكارت الأحمر بوجه سُراق الحياة (إذا كان الموت حتمياً.. لماذا تقع الحروب؟) لهذا ظل حلم الخلاص يراوده أبدًا أن يسكن في قبر مفتوح.

وختم: ان عبد الحسين يجب أن يموت ميتة فارس (لماذا.. كلما أرى مسدسًا، أغمض عينيَّ.. وأتحسس ثقبًا غائرًا في الصدر) هو محشور بين مئات الكتب والقصاصات والمسودات والأقلام والدفاتر القديمة، وكلما لفّهُ النسيان وعادت الوحشة أن تفترسه، كتب شعرًا يعطي للآخرين مجالاً لشتمه، فينهض ضاحكًا مثل طفل ظريف، متطلعًا في أخاديد السنين المطبوعة على تقاسيم وجهه الجنوبي الطيب، عبر خدوش مرآة الحائط قائلاً في سرّه مثل كل مرة: (آن لي أن أموت وسط زحمة الحروف).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى