“بيت جني”.. صرخة إدانة مُعلنة وجريئة لحياة ماتت فيها القيم الإنسانية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد يوسف عبود جويعد، أن أحداث المجموعة القصصية “بيت جني” للقاص والروائي حميد الربيعي، هي صرخة إدانة معلنة وجريئة لحياة ماتت فيها كل القيم، التي من شأنها أن توقف هذا الانجراف الكبير نحو الهاوية المقيتة.
وقال جويعد في دراسة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: قد تحتاج عملية الولوج في التجريب، إلى خبرة يكتسبها الأديب المبدع، من خلال ممارسة الكتابة السردية لسنوات طوال، وفي محاولة ناجحة يقدم لنا الروائي والقاص حميد الربيعي في مجموعته (بيت جني) نسيجاً جديداً للتناول السردي, مطرزاً بألوان سردية امتزجت فيها الواقعية الغرائبية, الاسطورة, الحكاية الشعبية, الرمزية, الواقعية السحرية, لأنه يرى أن أي حدث أو حكاية يجب ان يعالج فنيا, وأن لا تنقل كما يراها أو يعيشها أو يحضر حدوثها, وإنما تنتقل إلى مخيلة السردي ليضفي عليها اللون السردي المطلوب لتناولها, لان الأحداث التي تضمها المجموعة صرخة إدانة معلنة وجريئة لحياة ماتت فيها كل القيم التي من شأنها أن توقف هذا الانجراف الكبير نحو الهاوية المقيتة.
وأضاف: في قصة (استبدال) إذ إن إحساس المرأة ينمو بفكرة أن الرجل بدأ ينقرض بسبب الويلات والحروب التي حدثت في البلاد، وكذلك الاحساس بأن المدن تشيخ كما يشيخ الانسان، وإن الحياة تشبه الأزقة المغلقة في الأحياء الشعبية (كأنه أصيب بمقتل أو إنه من زمن سحيق قد أفاق، – ماذا؟ – الرجال أكلتهم الحروب والمفخخات، الأرامل صرن ضعفي العدد, لم يعد ثمة ما يغري بارتداء ملابس زاهية) ص14.
وتابع: البناء لهيكل القصة يظهر جليا واضحا, حيث نجد البنية المكانية لها دورها في متن النصوص السردية ومتصلة مع الثيمة وتكملة لمتن النص السردي, والبنية والزمنية التي تحدد زمن الحدوث بكل دقة, والايقاع, واللغة التي تميل الى الواقعية الغرائبية أو السحرية التي تجعل من الأسطورة الشعبية فضاءً لها في أحيان كثيرة, وتتضمن كذلك السخرية ونبذ الواقع, وتكون انفعالية في أحيان, وإنه ينفرد بلغة تميزه عن باقي المبدعين بسبب هذا الكم الكبير من الخبرة, ونجد بقية أدوات القص حاضرة, الحدث والحكاية تكون عنده مبهرة, وعلى الرغم من أنها مجموعة قصص إلا أنها تتحد في بنية رمزية تتوضح تدريجياً.
وأوضح: في قصة (مدخرات) يكشف لنا القاص عن ما سببته الطائفية المقيتة في الإيغال في هذا الحرمان, ويتناول القاص قصة (أسرار) وقد اتضحت المعالجة واللمسات السحرية في التناول السردي, إذ إن بطل القصة مقبل على عملية من نوع خاص لاجتثاث الهموم من داخله, بسبب ما يحصل لفتيات الملجأ من عملية اغتصاب قاسية وظالمة من قبل رجال ملفعين بالسواد كأنهم غربان سود.
ولفت الى أن قصة (غسالة صاحبها سرحان) تختلف عن قصص المجموعة، كون بطلها رجلاً إلا أنها ترتبط من حيث الرمز بكون تاريخنا أصبح قذراً ويحتاج للغسل, وفي غرابة واقعية ساخرة يشتري بطل القصة غسالة, ويفتح محلاً في المتنبي لغسل التأريخ.
وبيّن: إن القاص يكتمل عنده الرمز الكبير الذي توخاه من خلال الرحلة السردية لعالم تلك النسوة ليعلن التحاقهن, وتوحدهن ليلتحقن إلى الحافلة، ونجد ذلك في قصة (في البدء) لمحاولة التخلص من حيواتهن, والهروب إلى حيث الطبيعة التي بإمكانها أن توفر لهن ما يصبون اليه, لأن الإحساس بأن المدينة بدأت تحترق, بسبب دخول طيور الظلام, وإن طيور الظلام هم الدواعش الذين دخلوا البلاد عنوة, ونحن ننظر إليهم وهم يعيثون في الأرض خراباً وفساداً.
وواصل: القاص يشير الى النسوة في سنجار الذين قيدن سبايا, إن تنبؤ القاص بكون المدينة تحترق حيث بدأ الاحتراق من (كمب سارة) ثم اشتعل في (الكرادة) ومازال الحريق يتقدم, إنما هو صرخة تحذير هام لمواجهة هذا المد الخطير, ومحاولة إخماد تلك الحرائق, إن الجهد الذي بذله القاص في هذه المجموعة في جعل كل نص قصصي يتمتع بجمالية خاصة، متأتيا من خبرته في أن يقدم فضاءات سردية تنوعت بها طرق التناول, وأدخلت فيها كل أشكال السرد, وتحمل رموزا متعددة, تمضي بطريق يفضي إلى الالتقاء ثانية ملتحمة بالرمز الكبير الذي يصهر النصوص السردية ببوتقة واحدة, فيوحد الرؤيا عندما تلتقي خيوط السرد برافد واحد يشكل حالة من الخلاص.
وأشار الى إن القاص استطاع إن يقدم نمطا جديدا من السرد, إذ إن لكل نص حدثا وحكاية ومسيرة سردية تتصاعد وتتواتر وتصل إلى ذروتها وإلى نهايتها، وإنها ترتبط بسابقتها من حيث السياق الفني والفكري والخطاب الأدبي والثقافي, فيكون لمجموعة النصوص خط تصاعدي يشكل المنحى الفكري التحليلي لكل حالة من تلك الحالات, وهو أيضاً يسير بمسيرة سردية نحو النمو المتكامل للرمز, وتتحد تلك النصوص بنص يشبه الوعاء الذي يستوعبهن ليجعل منهن نسيجاً آخر يشكل النهاية الصحيحة لواقع الحرمان المر الذي عانين منه النسوة, أو ما آلت إليه الحياة المغلقة في هذا البلد.
وختم: مجموعة (بيت جني) للقاص والروائي حميد الربيعي تتميز بكونها حالة متفردة ومميزة، كونه لم يكتفِ بتناول النصوص، بل جعل لهن ممرا يصل إلى الرافد الكبير، ليكون منه نصاً قصصياً آخر يحتويهن ويمضي بهن نحو الانفراج.



