اراء

التناقض في ما بين صحوة وغفوة

 

بقلم/ علي محمد فخرو..

نعيش الآن عصر التناقضات الحادة في التعامل مع قضايا العصر الكبرى. وتزداد تلك الظاهرة وضوحاً وتألقاً في بلاد العرب. لنأخذ، كمثل، التعامل مع الموضوع الفلسطيني. فعلى المستوى الدولي يزداد التضامن والتعاطف مع الشعب الفلسطيني، بسبب ما حل ويحل من محن وظلم ومآس بهذا الشعب من جهة، وبسبب الاكتشاف المتأخر للوجه الحقيقي للعقيدة والأيديولوجيا الصهيونية من جهة أخرى.
فالوجه الحقيقي هو ممارسة سياسات الأبارتهايد بكل أشكالها ضد المدنيين الفلسطينيين العزل، وممارسة التمييز الممنهج في الحقوق الإنسانية كلها، وفي حقوق المواطنة تجاه الفلسطينيين الساكنين في المناطق الفلسطينية التي احتلها الكيان الصهيوني عام 1948، والإصرار على يهودية ذلك الكيان، مع ما يعنيه ذلك الإصرار من تجاهل تام للعشرين في المئة من العرب الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، الساكنين في فلسطين المحتلة عام 1948، وما سيعنيه ذلك من طرد وترحيل لهم إلى دول الجوار، والاستمرار غير المبالي باعتراضات العالم كله في ضم المزيد من الأراضي للكيان، وبناء المزيد من المستوطنات غير الشرعية، والحصار اللاإنساني المجنون لمليونين من الفلسطينيين الساكنين في غزة، ومشاهدة دماء ودموع القتلى والمسجونين الفلسطينيين ممن يتجرؤون، بنبل وشهامة على مقاومة الآلة الصهيونية المدمرة.

على المستوى الدولي يزداد التضامن والتعاطف مع الشعب الفلسطيني، بسبب ما حل ويحل به من محن وظلم ومآس.

كل ذلك أقنع العالم بأن الادعاءات الغربية والصهيونية بأن الكيان يمثل واحة للديمقراطية في غابة من الديكتاتوريات العربية، كانت كاذبة، بل إن العالم أمام كيان غير ديمقراطي يمارس الفاشية والنازية الهولوكوستية في أبشع صورها، خصوصاً بعد أن شاهد العالم الصعود المذهل للقوى الصهيونية اليمينية العنصرية المتطرفة في الانتخابات الأخيرة، ورجوع قائدهم الذي لا يعترف أصلاً بحق أي فلسطيني بالعودة إلى أرضه، ولا بحقه في البقاء حتى بصفة مواطن من الدرجة الثانية تحت الحصار والفقر والمضايقات اليومية. المجتمع الدولي إذن بدأ بالاستفاقة، وبادراك حجم الجريمة التي ساهم بارتكابها، وباستفاقة ضمير متأخرة. وبدأ الكثيرون، بمن فيهم أصحاب الضمائر والقيم الإنسانية اليهود، يدركون أن قوى الصهيونية خدعتهم وتلاعبت بعقولهم. صورة التناقض تتضح وتكتمل عندما نقارن بين الصحوة الدولية الأخلاقية، والتراجعات الكثيرة في الموضوع الفلسطيني التي حدثت في بعض أقطار الوطن العربي، من تطبيع في العلاقات مع الكيان الصهيوني، وقبول ولو غير مقصود، لما مارسه بحق المهجرين الفلسطينيين الهائمين على وجوههم، وبنهب وطنهم، وبممارسة نظام الأبارتهايد الهولوكوستي تجاههم، ومن إمعان في عقد الاتفاقيات بصورة يومية مع الكيان الصهيوني غير الملتزمة لا بثوابت قومية، ولا بثوابت إسلامية، ولا حتى بثوابت وطنية، ما سيقود إلى هيمنة صهيونية كاملة على حقول الأمن والاقتصاد والمال والتعليم والثقافة العربية، وبالتالي تسليم الحياة السياسية بيد القادة الصهاينة مستقبلاً، ولذلك فليس بمستغرب أنه في الوقت الذي يزداد فيه التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، يخرج علينا مؤتمر القمة العربية في الجزائر بتلك المجموعة من الشعارات العامة والقرارات الهزيلة تجاه مأساة شعب فلسطين وتجاه مقاومته من جهة، وتجاه من خذلوه وتركوه أعزل وحيداً من جهة أخرى. إنه تناقض صارخ معيب يجب أن يعيه شباب وشابات العرب عندما يستمعون إلى أو يقرأون الأكاذيب التي تحاول أن تغطي ذلك الوجه القبيح: وجه ذلك التناقض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى