أجواء السجون وقيود الحرية في قصص “حافات الحلم”

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد يوسف عبود جويعد، ان أجواء السجون وقيود الحرية كانت حاضرة بقوة في قصص “حافات الحلم” للقاصة والروائية ايناس البدران.
وقال جويعد في قراءة خصَّ بها “المراقب العراقي”: إنّ النصوص القصصية التي نسجتها أنامل القاصة إيناس البدران في مجموعتها (حافات الحلم)، والتفاعل بين الوعي العالي كخزين معرفي ينعكس على البنية النصية، والحسّ المرهف الذي طغى عليها، وإلمامها التام بفن صناعة القصة القصير والقصيرة جداً، وحتى الومضة جعلها تقدم نمطاً من أنماط السرد، ينتمي إلى الواقعية الجمالية.
وأضاف: النصوص القصصية التي ضمتها هذه المجموعة، اعتبرت الجمال قاعدة أساسية وثابتة ومطلقة ولا تتغير، وجعلت المتغيرات في بنية تلك النصوص حالة نسبية زائلة، كونها تعالج حالات انحرفت عن مسار الجمال وشوهت معالمه وتقوم القاصة إيناس البدران بكشفها ومعالجتها فنياً ضمن إطارها الصحيح وسياقها الفني، موظّفة هذا المفهوم ليكسو ملامح النص مع التزامها المتقن في ملاحقة النص القصصي ومتابعته واستحضار الأدوات الأساسية التي تساهم إسهاما فاعلاً في توصيل الرؤية النصية لوحدة الموضوع وفضائه ومساحته.
وتابع: لكي يستطيع المتلقي أن يكون داخل المبنى السردي دون أن يشعر بأنه ما يعيق ذلك، كون اللحظة أو الحدث أو الحكاية لا تقدم مجردة، دون أن يكون هنالك تعامل فنّي يظهر فيه الجهد والوعي المعرفي، كوننا نراه بأكثر من رؤية فنية، واقعية الحدث، الحسّ الفني، الوعي المعرفي، اللغة السردية التي تنسجم والحالة المتناولة، موقف السارد من الحدث رافضاً أو راغباً وهذا لا نراه خارجاً يطفو فوق سطح الحدث، إنّما يكون مضمراً يظهر خلف سطور النص، كما إنّه، أي النص لا يخلو من اللمسات السحرية الرقيقة، وصوت المرأة الذي يجتاح المسار السردي، ونجد أيضا التنوع في التناول للثيمة التي بدورها تعطي الدلالة الواضحة لشكل ومضمون النص.
وواصل: هذا العالم المزيف النسبي حتماً سيزول يحمل نبعاً من الحكايات تنتمي إليه, وأن السجن لا يعني فقط أن نكون بين أربعة جدران, فهناك سجون مختلفة, مثل السجن الذي يكمن داخل الروح لرفض العالم الذي لا نحب إن نعيشه, وهناك سجن لحياة فرضت علينا ونحن لا نريدها, وغيرها الكثير.
وأوضح: في قصة (الليلة الأولى بعد الألف) والتي استمدت فكرتها ونسجت خيوطها من حكايات ألف ليلة وليلة, وقد نسجت خيوطها بذات السياق الذي عشناها في تلك الحكايات, وهو سجن آخر, وعالم مزيف آخر لا ينتمي للجمال الذي ظل مضمراً ولكنّنا نراه ونحسه (الحياة محفة انتظارنا, مرورنا فيها تزجية للوقت, جدرانها أقفاص تتناسل تنعي بحبر الريح حياة لم تعاش. تدور رحى الأيام فينا مخلفة شواهد لدوائر مقطوعة الأنفاس، البدايات فيها منتهى في مدن تلثمها ذاكرة النيران).
وبين: أمّا قصة (غثيان) فأنها لم تترك هذا المنحى، إلا إنها تناولت حالة تمتزج فيها الغرابة, كون هذا الغثيان الذي أصاب بطلة النص, لم ينتج عن مرض عضوي, إنما هو ناتج عن سوء وقساوة الحياة, أشياء كثيرة في حياتها تصيبها بهذا الغثيان (تذكر أول مرة انتابها فيه كان ذلك حين تركها والدها بمفردها عند البوابة الحديدية صباح ذلك اليوم الخريفي, يومها ظلّت عيناها تتابعانه وهو يبتعد لتضيع معه بذرة أمان كانت ترقد متململة في سويداء القلب. بعدها كابدت أياما لا تدري عددها وهي تقضم الخوف مع قرص السميط الناشف لتزدرده مالحاً ممزوجاً بالدمع. ويوم حملتها الفراشة وهي شبه جثة لتسلمها إلى والدها كمن يسلم عهدة يروم التخلص من مسؤوليتها) ص 110.
وختم: المجموعة القصصية (حافات الحلم) حملت نصوصا قصصية قصيرة تقدم لنا الواقعية الجمالية التي بقيت مضمرة خلف المبنى السردي والثيمة والشكل والمضمون والشخوص, وكذلك تضمنت هذه المجموعة قصصاً قصيرة جداً لا تقل أهمية عن سابقاتها, وتضمّنت أيضاً الومضة القصصية. إنّها رحلة ممتعة عبر نصوص قصصية ناضجة، امتزج جمال الواقع, والواقع المزيف بفن صناعة القصة الأصيل.



