اخر الأخبارثقافية

ولولا النبيُّ المصحفيُّ

مهدي النهيري
بلى حينَ جَدَّتْ حُلْكةُ الوقتِ جاءَها
وأرهَقَها ضوءً وخاضَ امِّحاءَها
هيَ الوجعُ الدامي، تخطَّتْ حدودَها
وعاثتْ، فلَقَّاها النبيُّ شِفاءَها
هيَ النارُ، لم تُمسِكْ زِمامَ رحيلِها
ولمْ تخبُ، حتى عاصَرَتْهُ انطفاءَها
دَهَتْهُ زَعاماتٌ ففرَّتْ وأدبرتْ
تُجرجرُ في أعقابِها كبرياءَها
محمد ! أنَّى جاءَ؟ من ألبَسَ السنا
ملامحَهُ؟ مَنْ صاغَها؟ مَنْ أضاءَها
دعا ذئبَةَ الصحراءِ أن لا تصُدَّهُ
إذا هوَ ألغاها وكَفَّ عُواءَها
وكانتْ يدٌ شوهاءُ تَنحِتُ أهلَها
جِراراً، وتسقي دمعَهم زُعماءَها
وفي بلْدةٍ، أمُّ القرى كانَ وَسْمَها
ومَوْسِمَها، مسَّ العتاةُ رِداءَها
صفى المصطفى فيها، فزكَّى شِعابَها
وعَرَّفَ واديها وكنَّى عَراءَها
ولم يَدَعِ الموتى بلا أنْ يُعيدَهمْ
من الكَهْفِ، مبهورينَ أنّ حِراءَها
أصابعُ تمحو عن رؤاها دخانَها
وتحذفُ من أفكارِها دُخَلاءَها
وأنَّ رسولاً منهمُ شعَّ حِكْمةً
فلمْ يتَكتَّمْ فقرَها وثَراءَها
ولم يرضَ إلا أنْ تَرَقْرَقَ سلسلاً
على الأرضِ، حتى صارَ معناهُ ماءَها
وآنسَهُ رأيُ السماءِ وذوقُها
ورغبتُها في أن تراهُ لواءَها
وصالَحَ أضلاعَ الصحارى وخيلَها
وشيَّدَ في آفاقِها خُيَلاءَها
ومكةُ، كانَ السيفُ أبلَغَ حُكمِها
إذا فصلتْ أمراً وسنَّتْ قضاءَها
ومكةُ، كانَ البيتُ فيها مُجَلَّلاً
بما ليسَ يُرضي رَبَّها ورِباءَها
ومكةُ، دَسَّتْ في العمائمِ صَمْتَها
ودَلَّتْ على أيدي الرجالِ رِشاءَها
وطبَّقَها رَيْبٌ ولو كانَ شاعراً
لَقيلَ لهُ: أدمَيْتَ وَيْكَ هِجاءَها
هنالكَ عاشتْ قريةٌ حَتْفَ أنفِها
أسالَ دِماها سافكٌ، وأساءَها
لها قدَرٌ من غفلةٍ ساقَ إبْلَها
وراءَ مناياها لتبقى وراءَها
وشنَّ عليها ألفَ جيشٍ من السُّدى
ليخلُقَ منها خوفَها واختفاءَها
على شَجَرِ الشكوى تُعَلِّقُ حزنَها
وفي حَجَرٍ مَيْتٍ تزجُّ دعاءَها
قرىً جحدتْ حتى ذوتْ، ومحمدٌ
نما في القرى حتى رأتْ أنبياءَها
فآوتْ إلى نُعماهُ وهْيَ تبثُّهُ
وترفعُ أدنى مقلتيه خِباءَها
تؤدِّي النهارَ الحُلْوَ في قَسَماتِهِ
وتَكْحَلُ من هُدْبِ الجَمالِ مَساءَها
وتكتبُ صحوَ الأرضِ وهو يخطُّها
فتُحسِنُ تِلقاءَ الحياةِ أداءَها
وما ارتبكتْ منهُ، وطالتْ رسالةً
على هَدْيِهِ تحذو، وتحدو بقاءَها
يلَقَّنَها أنْ تستردَّ سُمُوَّها
وسُمْرَتَها الأحلى وتدعو سماءَها
وأن تتمشى في حديقةِ ذاتِها
وتدخلَ إنْ تقسُ الوجوهُ حَياءَها
تَجَلَّتْ لهُ برقاً فرتَّلَ فجرَها
ولاحتْ لهُ ظلاً فقالَ عِشاءَها
وما يدُهُ إلا صحيفةُ قومِهِ
وأحرُفُها اللائي شرِبْنَ ضياءَها
وأضحكَ سنَّ الرملِ، مكةُ أوشكتْ
حِيالَ بني الأوثانِ تنسى إباءَها
وقبلَ سناهُ لم تكنْ غيرَ خيمةٍ
بها أَمَةٌ لمّا تفارقْ بكاءَها
ولولا النبيُّ المصحفيُّ لآثرَتْ
مديحَ الليالي واستثارتْ رثاءَها
فعلَّمَها وهْيَ ابنةُ الشعرِ أنَّها
قصيدةُ حبٍّ لا تحبُّ انتهاءَها
وكانَ أن استفتَتْهُ أرضٌ وجُودَها
فألهَمَها أرجاءَها ورجاءَها
وخالَ بها عشقاً فأنشأَ قلبَها
وأنشدَ ما أبهى دمي ودماءَها
وفي الماءِ والأسماءِ أطلقَ وردَها
فكادتْ لفرطِ الشوقِ تهوَى هواءَه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى