اخر الأخبارثقافية

عندما يغدو غير المألوف مألوفاً في رسومات عدنان الحاج ساسي

 

منصف الوهايبي..

يبني عدنان الحاج ساسي، الصورة وهو يستخدم «الدخلة» ويحفز ذاكرة اليد، والعين المشحونة بالصور، في نوع من مزج الألوان وتخليطها، صانعاً منها لونه هو أي “لون اللون”؛ حتى ليقعن في الظن أنه يفعل ذلك قاصدا متقصدا. على أنه كما أسر لي، يحكم التمييز بين الصدفة والاعتباطية، وبين التصوير والرسم؛ ويجعل من النسيج مادة، وهو ينطبع على اليد «الخالقة» أو «الصانعة».

في لوحاته لا مبادرة إلا لليد، اليد التي تنظر وتتكلم وتسمع. لأقل هي «يدُ اليد» أي محصلة «جارحة» أخرى غير تلك التي يستخدمها الرسام في واقعه أو مجتمعه. فثمة مسافة بينه وبين لوحته، أو لأقل إن اللوحة هي التي تأتيه؛ أو هو في حالة حلم فاعل، إذ يترك للمتخيل أن يفعل فعله في المادة التي تعالجها الذات، وهي وجوه وأجسام، بشر وحيوان تتدافع وتتجاذب، أو هي تنفي ذاتها في فعل خلقها؛ أو تتكلم على إثر ما تقوله اللغة بصوت خفيض أو بصمت أقل. لكأني وأنا أتملى لوحاته أتملى الميناء في ساعات الصباح الأولى. أرى مراكب وزوارق صغيرة بألوان رمادية مبلولة. أقول هي «هنا» مثلما هي «هناك» مثلما هي «هنالك». أعني إذا استنرْتُ بلغة المعاصرين «وجودها في الكون» و”وجودها في كونها الخاص”. ذلك هو بيت الرسم الذي تسكن فيه الشعرية، وتسكن إليه. لكأني أنظر إلى صورتي في المرآة وأتملاها وهي تنظر إليّ ولا تراني. مزيج من شفيف العين وعتمتها، وحركة اليد وفكرها. وليس المقصود بهذا أن يبلغ الرسام بالصورة شكلاً من التماثل، أو المحاكاة وإنما العثور على منطقة تتجاور فيها الأشياء أو يتلبس بعضها ببعض.

أقول إن اللوحة عنده سيرورة، أي هي على غرابتها محط في محاط الرسم في تونس؛ وليست انقطاعاً في سيرورته. ومثلما لا تتجلى الأبدية إلا ضمن الصيرورة – بعبارة أهل الفلسفة – ولا يتبدى مشهد طبيعي، إلا ضمن الحركة، فإن اللوحة عنده لا تتجلى إلا في علاقتها بسابقتها ولاحقتها في سياق سردية أو حكائية لا تخطئها العين. وهي من ثمة أشبه ما تكون بـ “النبتة في البذرة”. ولنلاحظ جيدا كيف أن غير المألوف لنا يغدو مألوفا في تجربة هذا الفنان المبدع المثقف، وكيف أن المألوف يغدو غير مألوف لنا. لعلها سيريالية من نوع خاص أو من أثر ثقافة الرسام في لعبة تشكيل الفضاء والأشكال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى