«بيروت على نهر السّين» .. مداواة المأساة بالسخرية منها

سعيد خطيبي..
انتصاران حقّقهما سبيل غصوب في روايته الأخيرة، فقد شُفي من ذاكرته المجروحة تُجاه ماضيه ولملم تاريخ العائلة. في روايته «بيروت على نهر السّين» تظهر بيروت كمدينة مفتوحة على الاحتمالات كلّها، غارقة في فوضى دون أن تفقد أملاً في أن تقوم على قدميها من جديد، مدينة تحنّ إلى الفرح دون أن تفارقها أشباح الحرب الأهلية وروائح الموت، مدينة تتّسع للتناقضات، من غير رأفة بحالها ودون أن تغفل حقّها في العيش. إنّها رواية المدينة وأهلها لكن أيضاً حكاية من هجروها من غير أن يعرفوا سبيل العودة إليها. رواية حميمة عن الباقين وعن المغادرين، عن شاب ولد نهاية الثّمانينيات في باريس، من أبوين لبنانيين، وورث عنهما ذاكرتهما الملتبسة، دون أن يعلماه كيف ينجو منها، كما نجت منها شقيقته الكبرى يالا. في «بيروت على نهر السين» (التي صدرت عن دار ستوك بالفرنسية 2022) نستعيد تاريخ الدّم والفجائع، وندرك أن العيش في بيروت لا يختلف عن العيش خارجها، فهي مثل القدر، تلاحق كلّ لبناني، تسكن مخيلته، بل يحملها في شرايينه، ولا حلّ من أجل التخفيف من وطأة الحنين إليها سوى الكتابة. كتابة ساخرة وصادمة ومثقلة بالذكريات عن أوجه تلك المدينة التي تغشاها تقرّحات، وتسري في دمها نشوة لا تريد أن تنضب.
تنطلق الرواية من عام 2020، في عزّ الحجر الصحي بسبب كورونا، كما لو أنّها شريط وثائقي، حيث يجلس المؤلف قبالة أمّه حنان ووالده الشاعر قيصر غصوب، يشغّل آلة تسجيل ويطلب منهما الشروع في الحكي. كما لو أنهما قبالة محقّق شرطة أو قسّ في كنيسة يطلب منهما إفادته باعترافاتهما. إنّها رواية اللا متخيّل، كلّ شيء فيها حقيقي، أو هكذا يبدو، كلّ الأسماء التي ترد فيها هي شخصيات معروفة، من مثقفين وفنّانين لبنانيين، ومن شخصيات سياسية وأخرى عسكرية. كان في إمكان سبيل غصوب أن يتكّل على الأرشيف في سرد الحكاية، وفي استعادة التاريخ الحديث لمدينة بيروت، لكنه آثر طريقا آخر، أن يروي بيروت من وجهة نظر من ولد فيها وكبر فيها ثم هجرها، ولم يجد أفضل من يقوم بذلك الدور أكثر من والديه. فشرعا في الكلام، أو بالأحرى في التخاصم من يتكلم أكثر من آخر، فالمهمة لم تكن سهلة، بين والدين مزاجيين يتعاملان مع ماضيهما كفسحة للسخرية من آلامهما، وانطلقا في الكلام من أصل المأساة منذ عام 1975 وصولا إلى اليوم.



